NLAR

الأشباه والنظائر

تحميل PDF

الآية · الحديث · المصنِّف · الشارح · مثاله · مسألة / حكمه

بيئة الدراسة

لكل وحدة: مخططات، ومصطلحات، وخلاصات، وخبايا الزوايا، وقواعد، ومسائل الخلاف، ومراجعة، واختبار.

الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: الْيَقِينُ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ

50

وَدَلِيلُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِد حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن زَيْدٍ قَالَ " شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ «: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ

51

أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ: وَاحِدَةً صَلَّى، أَمْ اثْنَتَيْنِ؟ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ: صَلَّى اثْنَتَيْنِ، أَمْ ثَلَاثًا؟ فَلْيَبْنِ عَلَى اثْنَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ: أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلَاثٍ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» .

اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ تَدْخُلُ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَالْمَسَائِلُ الْمُخَرَّجَةُ عَلَيْهَا تَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْفِقْهِ وَأَكْثَرَ، وَلَوْ سَرَدْتهَا هُنَا لَطَالَ الشَّرْحُ وَلَكِنِّي أَسُوقَ مِنْهَا جُمْلَةً صَالِحَةً فَأَقُولُ: يَنْدَرِجُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَة عِدَّةُ قَوَاعِدَ:

مِنْهَا: قَوْلُهُمْ: " الْأَصْل بَقَاء مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ ".

فَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ. أَوْ تَيَقَّنَ فِي الْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَهُوَ مُحْدِثٌ.

وَمِنْ فُرُوع الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ أَنْ يَشُكَّ هَلْ نَامَ أَوْ نَعَسَ؟ أَوْ مَا رَآهُ رُؤْيَا، أَوْ حَدِيثُ نَفْسٍ؟ أَوْ لَمَسَ مُحَرَّمًا أَوْ غَيْرَهُ؟ أَوْ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؟ أَوْ بَشَرًا أَوْ شَعْرًا؟ أَوْ هَلْ نَامَ مُمَكَّنًا أَوْ لَا؟ أَوْ زَالَتْ إحْدَى أَلْيَتَيْهِ، وَشَكَّ: هَلْ كَانَ قَبْلَ الْيَقَظَةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ أَوْ مَسَّ الْخُنْثَى أَحَدَ فَرْجَيْهِ، ثُمَّ مَسَّ مَرَّة ثَانِيَةً وَشَكَّ: هَلْ الْمَمْسُوسُ ثَانِيًا: الْأَوَّلُ، أَوْ الْآخَرُ؟

وَمِنْ ذَلِكَ: عَدَمُ النَّقْضِ بِمَسِّ الْخُنْثَى، أَوْ لَمْسِهِ أَوْ جِمَاعِهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: مَسْأَلَةُ: مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ أَوْ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّذَكُّرِ فِيمَا قَبْلَهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ ; لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَدَثِ وَشَكَّ فِي انْتِقَاضِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي: هَلْ الْحَدَثُ الثَّانِي قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا؟ وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَإِنْ كَانَ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ، فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ، لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ حَدَثًا بَعْدَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ، وَشَكَّ فِي زَوَالِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي: هَلْ الطَّهَارَةُ الثَّانِيَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ، أَمْ لَا؟ بِأَنْ يَكُونَ وَالَى بَيْن الطَّهَارَتَيْنِ.

وَنَظِيرُ ذَلِكَ: مَا لَوْ عَلِمْنَا لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفًا، فَأَقَامَ عَمْرو بَيِّنَةً بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ، فَأَقَامَ زَيْدٌ بَيِّنَةً أَنَّ عَمْرًا أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ مُطْلَقًا، لَمْ يَثْبُتْ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ شَيْءٌ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْأَلْفَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ هُوَ الْأَلْفُ الَّذِي عَلِمْنَا وُجُوبَهُ، وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِإِبْرَائِهِ، فَلَا نَشْغَلْ ذِمَّتَهُ بِالِاحْتِمَالِ.

وَفَرَّعَ فِي الْبَحْرِ عَلَى قَوْلِنَا " يَأْخُذُ بِالضِّدِّ " فَرْعًا حَسَنًا: وَهُوَ مَا إذَا قَالَ: عَرَفْت قَبْل هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ حَدَثًا وَطُهْرًا أَيْضًا، وَلَا أَدْرِي أَيّهمَا السَّابِقُ؟ قَالَ: فَيُعْتَبَرُ مَا كَانَ قَبْلَهُمَا

52

أَيْضًا، وَنَأْخُذُ بِمِثْلِهِ، بِعَكْسِ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ ضِدُّ هَذِهِ الْحَالَةِ. قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فِي الْأَوْتَارِ يَأْخُذُ بِضِدِّ مَا قَبْلَهُ، وَفِي الْأَشْفَاعِ يَأْخُذُ بِمِثْلِهِ.

شَكَّ فِي الطَّاهِرِ الْمُغَيِّرِ لِلْمَاءِ: هَلْ هُوَ قَلِيلٌ، أَوْ كَثِيرٌ؟ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّهُورِيَّةِ. أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ بِالْحَجِّ، وَشَكَّ: هَلْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ طَوَافِهَا، فَيَكُونُ صَحِيحًا، أَوْ بَعْدَهُ فَيَكُونُ بَاطِلًا؟ حُكِمَ بِصِحَّتِهِ.

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَهُ قَالَ وَهُوَ كَمَنْ تَزَوَّجَ وَأَحْرَمَ وَلَمْ يَدْرِ، هَلْ أَحْرَمَ قَبْلَ تَزَوُّجِهِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ نِكَاحِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِحْرَامِ وَنَصَّ فِيمَنْ وَكَّلَ فِي النِّكَاحِ، ثُمَّ لَمْ يَدْرِ: أَكَانَ وَقَعُ عَقْدُ النِّكَاحِ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ، أَوْ قَبْلَهُ؟ أَنَّهُ صَحِيحٌ أَيْضًا.

أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ شَكَّ: هَلْ كَانَ فِي أَشْهُر الْحَجِّ، أَوْ قَبْلَهَا؟ كَانَ حَجًّا لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ، وَعَلَى شَكِّ مِنْ تَقَدُّمِهِ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.

أَكَلَ آخِرَ اللَّيْلِ، وَشَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وَكَذَا فِي الْوُقُوفِ.

أَكَلَ آخِرَ النَّهَارِ، بِلَا اجْتِهَادٍ وَشَكَّ فِي الْغُرُوبِ بَطَلَ صَوْمُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ.

نَوَى ثُمَّ شَكَّ: هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَمْ لَا؟ صَحَّ صَوْمُهُ بِلَا خِلَافٍ.

تَعَاشَرَ الزَّوْجَانِ مُدَّةً مَدِيدَةً ; ثُمَّ ادَّعَتْ عَدَم الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُمَا فِي ذِمَّتِهِ، وَعَدَمُ أَدَائِهِمَا.

زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ، مُعْتَقِدًا بَكَارَتهَا، فَشَهِدَ أَرْبَع نِسْوَةٍ بِثُبُوتِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَبْطُلْ لِجَوَازِ إزَالَتهَا بِأُصْبُعٍ أَوْ ظُفْرٍ، وَالْأَصْلُ الْبَكَارَةُ.

اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي التَّمْكِينِ، فَقَالَتْ: سَلَّمْت نَفْسِي إلَيْكَ مِنْ وَقْتِ كَذَا، وَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّمْكِينِ.

وَلَدَتْ وَطَلَّقَهَا، فَقَالَ: طَلَقَتْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، فَلِي الرَّجْعَةُ، وَقَالَتْ: قَبْلَهَا فَلَا رَجْعَةَ. وَلَمْ يُعَيِّنَا وَقْتًا لِلْوِلَادَةِ وَلَا لِلطَّلَاقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ سَلْطَنَةِ النِّكَاحِ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى يَوْمِ الْوِلَادَةِ، كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: طَلُقَتْ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَالَتْ: الْخَمِيسِ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَعَدَمُ الطَّلَاقِ، أَوْ عَلَى وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْوِلَادَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوِلَادَةِ إذْ ذَاكَ.

أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي لَحْم، فَجَاءَ بِهِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا لَحْمُ مَيْتَةٍ، أَوْ مُذَكَّى مَجُوسِيٍّ، وَأَنْكَرَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ الْقَابِضِ قَطَعَ بِهِ الزُّبَيْرِيُّ فِي الْمُسْكِتِ وَالْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ وَالْعَبَّادِيُّ فِي آدَابِ الْقَضَاءِ وَقَالَ: لِأَنَّ الشَّاةَ فِي حَالَ حَيَاتهَا مُحَرَّمَةٌ، فَيُتَمَسَّكُ بِأَصْلِ التَّحْرِيمِ إلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ زَوَالُهُ.

53

اشْتَرَى مَاءً، وَادَّعَى نَجَاسَتَهُ، لِيَرُدّهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِع لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الْمَاءِ. ادَّعَتْ الرَّجْعِيَّةُ امْتِدَادَ الطُّهْرِ وَعَدَمَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ صُدِّقَتْ وَلَهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا.

وَكَّلَ شَخْصًا فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ، وَوَصَفَهَا فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ جَارِيَةً بِالصِّفَةِ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِلْمُوَكِّلِ، لَمْ يَحِلَّ لِلْمُوَكِّلِ وَطْؤُهَا ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ الْجَارِيَةَ بِالصِّفَاتِ الْمُوَكَّلِ بِهَا ظَاهِرًا فِي الْحِلّ، وَلَكِنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ.

قَاعِدَةٌ: الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ

وَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ فِي شَغْلِ الذِّمَّةِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، مَا لَمْ يَعْتَضِدْ بِآخَرَ، أَوْ يَمِينِ الْمُدَّعِي، وَلِذَا أَيْضًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِمُوَافَقَتِهِ الْأَصْلَ.

وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ: مِنْهَا: اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمُتْلَفِ، حَيْثُ تَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى مُتْلِفِهِ، كَالْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُسْتَامِ، وَالْغَاصِبِ، وَالْمُودَعِ الْمُتَعَدِّي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَارِمِ، لِأَنَّ الْأَصْل بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِمَّا زَادَ.

وَمِنْهَا: تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَنَكَلَ، لَا يُقْضَى بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، لِأَنَّ الْأَصْل بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ بَلْ تُعْرَضُ عَلَى الْمُدَّعِي.

وَمِنْهَا: مِنْ صِيَغِ الْقَرْضِ: مَلَّكْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ، فَلَوْ اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْبَدَلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخِذِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ الْجَانِي: هَكَذَا أَوْضَحْت، وَقَالَ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ بَلْ أَوْضَحْت مُوَضِّحَتَيْنِ وَأَنَا رَفَعْت الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا، صُدِّقَ الْجَانِي لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.

لَطِيفَة:

قَالَ ابْن الصَّائِغ فِيمَا نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ: نَظِيرُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ " إنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَلَا يَقْوَى الشَّاهِدُ عَلَى شَغْلِهَا مَا لَمْ يَعْتَضِدْ بِسَبَبٍ آخَرَ " قَوْلُ النُّحَاةِ ": الْأَصْلَ فِي الْأَسْمَاءِ الصَّرْفُ فَلَا يَقْوَى سَبَبٌ وَاحِدٌ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْ أَصْلِهِ حَتَّى يَعْتَضِدَ بِسَبَبٍ آخَرَ.

قَاعِدَة: أَصْلُ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ إعْمَالُ الْيَقِينِ وَإِطْرَاحُ الشَّكِّ وعدم اسْتِعْمَال الْغَلَبَةَ

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَصْلُ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ أَنِّي أُعْمِلُ الْيَقِينَ وَأَطْرَحُ الشَّكَّ وَلَا أَسْتَعْمِلُ الْغَلَبَةَ ".

وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَمَرْجِعُهَا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، كَقَوْلِهِمْ فِيمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَهُ وَمَلَّكَهُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالْقَبْضِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ، وَأَصْلُ الْإِقْرَارِ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ.

فَلَوْ أَقَرَّ لِابْنِهِ بِعَيْنٍ فَيُمْكِن تَنْزِيلُ الْإِقْرَارِ عَلَى الْبَيْع وَهُوَ سَبَبٌ قَوِيٌّ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَعَلَى

54

الْهِبَة فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فَأَفْتَى أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ بِإِثْبَاتِ الرُّجُوعِ، تَنْزِيلًا عَلَى أَقَلِّ السَّبَبَيْنِ وَأَضْعَفِ الْمِلْكَيْنِ، وَأَفْتَى أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ بِعَدَمِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمِلْك لِلْمُقَرِّ لَهُ.

وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ مُوَافَقَةَ أَبِي سَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَوَسَّطَ فَيُقَالُ إنْ أَقَرَّ بِانْتِقَالِ الْمِلْك مِنْهُ إلَى الِابْنِ فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْقَاضِيَانِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْعَبَّادِيُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ، قَوْلُ الْهَرَوِيِّ وَقَبُولُ تَفْسِيرِهِ بِالْهِبَةِ وَرُجُوعِهِ مُطْلَقًا.

وَمِنْ الْفُرُوع: أَنَّ إقْرَارَ الْحَاكِم بِالشَّيْءِ إنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الْحُكْمِ كَانَ حُكْمًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ كَانَ فِي مَعْرِض الْحِكَايَاتِ وَالْإِخْبَارِ عَنْ الْأُمُورِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا. قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْإِقْرَارِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهَذَا مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُهِمَّة. قَالَ: فَإِذَا شَكَكْنَا فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى الْإِخْبَارِ وَعَدَمُ نَقْلِهِ إلَى الْإِنْشَاءِ.

وَمِنْهَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ أَوْ مَالٍ عَظِيمٍ أَوْ كَثِيرٍ أَوْ كَبِير قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِمَا يَتَمَوَّلُ، وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي سَيْفٌ فِي غِمْدٍ أَوْ ثَوْبٌ فِي صُنْدُوقٍ، لَا يَلْزَمهُ الظَّرْفُ، أَوْ غِمْدٌ فِيهِ سَيْفٌ، أَوْ صُنْدُوقٌ فِيهِ ثَوْبٌ، لَزِمَهُ الظَّرْفُ وَحْدَهُ، أَوْ خَاتَمٌ فِيهِ فَصٌّ لَمْ يَلْزَمهُ الْفَصُّ، أَوْ عَبْدٌ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ، لَمْ تَلْزَمهُ الْعِمَامَةُ، أَوْ دَابَّةٌ فِي حَافِرِهَا نَعْلٌ، أَوْ جَارِيَةٌ فِي بَطْنِهَا حَمْلٌ، لَمْ يَلْزَمهُ النَّعْلُ وَالْحَمْلُ.

وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ فِي يَوْمٍ آخَر، لَزِمَهُ أَلْفٌ فَقَطْ أَوْ بِأَكْثَرَ دَخَلَ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ، وَفُرُوعُ الْقَاعِدَةِ كَثِيرَةٌ.

(تَنْبِيهٌ)

سُئِلَ السُّبْكِيُّ عَنْ اتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ، يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ، وَلَمْ يَقُلْ بِلُزُومِ دِرْهَمَيْنِ مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ: إنَّ أَقَلَّ، الْجَمْعِ اثْنَانِ وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ، فَلِمَ لَا قِيلَ بِلُزُومِ دِرْهَمَيْنِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَجَوَّزَ وَأَطْلَقَ الْجَمْعَ عَلَى الِاثْنَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ شَائِعٌ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالْمَنْعِ، مَعَ أَنَّ الْإِقْرَارَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْيَقِينِ؟

فَأَجَابَ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَاحْتِمَالُ الْمَجَازِ لَا يَقْتَضِي الْحَمْلَ عَلَيْهِ ; إذْ لَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ يُتَمَسَّكْ بِإِقْرَارٍ. وَقَدْ قَالَ الْهَرَوِيُّ: إنَّ أَصْلَ، هَذَا مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَلْزَم فِي الْإِقْرَارِ بِالْيَقِينِ وَظَاهِرُ الْمَعْلُوم، وَهُوَ الظَّنُّ الْقَوِيُّ وَلَا يَلْزَم بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ، كَمَا لَا يَلْزَمُ فِي حَالِ الشَّكِّ، إذْ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ. هَذِهِ عِبَارَتُهُ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْهَرَوِيُّ صَحِيحٌ وَاحْتِمَالُ إرَادَةِ الْمَجَازِ دُونَ الشَّكِّ لِأَنَّهُ وَهْمٌ، فَكَيْف يُعْمَلُ بِهِ. بَلْ لَوْ قَالَ: أَرَدْت بِقَوْلِي " دَرَاهِمَ " دِرْهَمَيْنِ لَمْ يُقْبَل، لَكِنْ لَهُ تَحْلِيفُ غَرِيمِهِ، وَكَوْنُ الْإِقْرَارِ مَبْنِيًّا عَلَى الْيَقِينِ لَا يَقْدَحُ فِي هَذَا ; لِأَنَّ هَذَا يَقِينٌ فَإِنَّهُ مَوْضُوعُ اللَّفْظِ لُغَةً، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْيَقِينِ الْقَطْع

55

وَلَوْ أُرِيدَ الْقَطْعُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْهَرَوِيِّ أَنَّهُ يَأْخُذ بِالْيَقِينِ وَبِالظَّنِّ الْقَوِيِّ، وَحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجَازِ إنَّمَا يَكُونُ لِقَرِينَةٍ، أَمَّا بِغَيْرِ قَرِينَةٍ فَيُحْمَل عَلَى الْحَقِيقَةِ قَطْعًا، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْيَقِينِ انْتَهَى.

قَاعِدَة: مَنْ شَكَّ هَلْ فَعَلَ شَيْئًا أَوَّلًا؟ فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ

مَنْ شَكَّ هَلْ فَعَلَ شَيْئًا أَوَّلًا؟ فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ.

وَيَدْخُلُ فِيهَا قَاعِدَةٌ أُخْرَى: مَنْ تَيَقَّنَ الْفِعْلَ وَشَكَّ فِي الْقَلِيلِ أَوْ الْكَثِيرِ حُمِلَ عَلَى الْقَلِيلِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَشْتَغِلَ الذِّمَّةُ بِالْأَصْلِ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ.

وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى قَاعِدَةٍ ثَالِثَةٍ، ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهِيَ " أَنَّ مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ ".

فَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ: شَكَّ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ فِي الصَّلَاةِ: سَجَدَ لِلسَّهْوِ أَوْ ارْتِكَابُ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ فَلَا يَسْجُد ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فِعْلهمَا.

وَمِنْهَا: سَهَا وَشَكَّ: هَلْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ؟ يَسْجُدُ.

وَمِنْهَا: شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي تَرْكِ رُكْنٍ، وَجَبَتْ إعَادَتُهُ، فَلَوْ عَلِمَهُ وَشَكَّ فِي عَيْنِهِ أَخَذَ بِالْأَسْوَأِ، فَإِنْ احْتَمَلَ أَنَّهُ النِّيَّةُ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ، فَلَوْ تَرَكَ سَجْدَةً وَشَكَّ، هَلْ هِيَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، لَزِمَهُ رَكْعَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِهَا، فَتُكَمَّلُ بِرَكْعَةٍ تَلِيهَا وَيَلْغُو بَاقِيهَا.

وَلَوْ شَكَّ فِي مَحِلِّ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَجَبَ رَكْعَتَانِ لِاحْتِمَالِ تَرْكِ سَجْدَةٍ مِنْ الْأُولَى وَسَجْدَةٍ مِنْ الثَّانِيَةِ، فَيُكْمِل الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَة بِالرَّابِعَةِ وَيَلْغُو الْبَاقِي، وَكَذَا لَوْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ تَرْكُ سَجْدَةٍ أُخْرَى، هَكَذَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

وَأُورِد عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي الثَّلَاثِ: لُزُومُ رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَةٍ، لِأَنَّ أَسْوَأَ الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ السَّجْدَةَ الْأُولَى مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَوَاحِدَةً مِنْ الرَّابِعَةِ فَيَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى الْجُلُوسُ بَيْن السَّجْدَتَيْنِ، وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فَلَمَّا قَدَّرْنَا أَنَّهُ تَرَكَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، لَمْ يُمْكِن أَنْ يُكَمِّلَ لِسَجْدَتِهَا الْأُولَى الرَّكْعَةَ الْأُولَى لِفِقْدَانِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَبْلَهَا. نَعَم بَعْدَهَا جُلُوسٌ مَحْسُوبٌ، فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَكْعَةٌ إلَّا سَجْدَةً فَيُكْمِلهَا بِسَجْدَةٍ مِنْ الثَّالِثَة وَيَلْغُو بَاقِيهَا، ثُمَّ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْ الرَّابِعَةِ فَيَبْقَى عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ وَسَجْدَةٌ.

وَقَدْ اعْتَمَدَ الْأَصْفُونِيُّ هَذَا الْإِيرَادَ فِي مُخْتَصَرِ الرَّوْضَةِ، وَالْإِسْنَوِيُّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: إنَّهُ عَمَلٌ عَقْلِيٌّ وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِيهِ.

وَأَجَابَ عَنْهُ النَّشَائِيُّ: بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ التَّصْوِيرِ فَإِنَّهُمْ حَصَرُوا الْمَتْرُوكَ فِي ثَلَاثِ

56

سَجَدَاتٍ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي تَرْكَ فَرْضٍ آخَرَ، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَتْرُوكَ مِنْ الْأُولَى وَاحِدَةٌ يُبْطِلُ هَذَا الْخَيَالَ.

وَذَكَرَ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي التَّوْشِيحِ: أَنْ وَالِدَهُ وَقَفَ عَلَى رَجَزٍ لَهُ فِي الْفِقْهِ، وَفِيهِ اعْتِمَادُ هَذَا الْإِيرَادِ فَكَتَبَ عَلَى الْحَاشِيَةِ: لَكِنَّهُ مَعَ حُسْنه لَا يُرَدُّ ; إذْ الْكَلَام فِي الَّذِي لَا يَفْقِدُ إلَّا السُّجُودَ فَإِذَا مَا انْضَمَّ لَهُ تَرْكُ الْجُلُوسِ، فَلْيُعَامَلْ عَمَلَهُ.

وَإِنَّمَا السَّجْدَةُ لِلْجُلُوسِ ... وَذَاكَ مِثْلُ الْوَاضِحِ الْمَحْسُوسِ.

وَلَوْ شَكَّ فِي مَحِلِّ أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ لَزِمَهُ سَجْدَةٌ وَرَكْعَتَانِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الْأُولَى وَسَجْدَةً مِنْ الثَّالِثَةِ وَأُخْرَى مِنْ الرَّابِعَةِ.

وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاسْتِدْرَاكِ يَجِبُ سَجْدَتَانِ وَرَكْعَتَانِ لِاحْتِمَالِ تَرْكِ الْأُولَى مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَثِنْتَيْنِ مِنْ الرَّابِعَةِ.

فَحَصَلَ مِنْ الثَّلَاثِ رَكْعَةٌ وَلَا سُجُودَ فِي الرَّابِعَةِ، وَلَوْ شَكَّ فِي مَحِلِّ خَمْسِ سَجَدَاتٍ، لَزِمَهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِاحْتِمَالِ تَرْكِ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الْأُولَى وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ، وَسَجْدَةً مِنْ الرَّابِعَةِ.

وَمِنْهَا لَوْ شَكَّ، هَلْ غَسَلَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً؟ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ وَأَتَى بِالثَّالِثَةِ، وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ: لَا لِأَنَّ تَرْكَ سُنَّةٍ أَهْوَنُ مِنْ فِعْلِ بِدْعَةٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ بِدْعَةً مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا رَابِعَةٌ. وَمِنْهَا شَكَّ، هَلْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، نَوَى الْقِرَانَ ثُمَّ لَا يُجْزِيهِ إلَّا الْحَجّ فَقَطْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِهِ، فَلَا يَصِحُّ إدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ.

وَمِنْهَا شَكَّ، هَلْ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ، بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ.

وَمِنْهَا: عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَشَكَّ فِي قَدْرِهِ، لَزِمَهُ إخْرَاجُ الْقَدْرِ الْمُتَيَقَّنِ كَمَا قَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ، إلَّا أَنْ تَشْتَغِلَ ذِمَّتُهُ بِالْأَصْلِ، فَلَا يَبْرَأُ إلَّا مِمَّا تَيَقَّنَ أَدَاءَهُ، كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ، تَلْزَمُهُ الْخَمْسُ.

وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةُ بَقَرَةٍ وَشَاةٍ وَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا وَشَكَّ فِيهِ وُجُوبًا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيه فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَشَكَّ فِي أَنَّ عَلَيْهِ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا لَزِمَهُ زَكَاةُ الْكُلِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ زَكَاتِهِ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الصِّيَامِ وَقَالَ: أَنَا شَاكٌّ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ هَلْ عَلَيَّ صَوْمُ كُلِّهِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْهُ وَجَبَ قَضَاءُ كُلِّهِ وَلَوْ اتَّخَذَ إنَاءً مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ، وَجَهِلَ الْأَكْثَرَ وَلَمْ يُمَيِّزْهُ، وَجَبَ أَنْ يُزَكِّيَ الْأَكْثَرَ ذَهَبًا وَفِضَّةً.

وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ وَشَكَّتْ، هَلْ هِيَ عِدَّةُ طَلَاقِ أَوْ وَفَاةٍ؟ لَزِمَهَا الْأَكْثَرُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْأَكْثَرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يُنْسَبُ إلَى الْقَصِيرِ، بِخِلَافِ مَنْ شَكَّ فِي الْخَارِجِ أَمَنِيٌّ أَمْ مَذْيٌ؟ حَيْثُ يَتَخَيَّرُ.

وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ وَشَكَّ: هَلْ هُوَ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ عِتْقٌ أَوْ صَدَقَةٌ؟ قَالَ الْبَغَوِيّ

57

فِي فَتَاوِيهِ: يُحْتَمَل أَنْ يُقَالَ: عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِهَا، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَالَ: يَجْتَهِدُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّا تَيَقَّنَا هُنَاكَ وُجُوبَ الْكُلِّ، فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُنَا لَمْ يَجِب إلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَاشْتَبَهَ، فَيَجْتَهِدُ كَالْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي.

وَلَوْ حَلَفَ وَشَكَّ: هَلْ حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى، أَوْ الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَفِي التَّبْصِرَةِ لِلَّخْمِيِّ الْمَالِكِيِّ: أَنَّ كُلّ يَمِينٍ لَمْ يُعْتَدْ الْحَلِفُ بِهَا لَا تَدْخُلُ فِي يَمِينِهِ مَعَ الشَّكِّ. قَالَ: وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنْ يُقَال: إذَا حَنِثَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ.

وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَجِبَ فِي الْحَالِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَغْلِ الذِّمَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ فِي الْحَالِ، فَإِذَا أَعْتَقَ بَرِئَ ; لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِاَللَّهِ أَوْ الظِّهَارِ أَوْ الْعِتْقِ، فَالْعِتْقُ تُجْزِئ فِي كُلِّهَا وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ التَّعْيِين بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْعَمَ أَوْ كَسَا.

قُلْت: الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ شَكَّ فِي الْحَدِّ، أَرَجْمٌ أَوْ جَلْدٌ، فَإِنَّهُ لَا يُحِدُّ بَلْ يُعَزِّرُ كَمَا قَرَّرَهُ ابْنُ الْمُسْلِمِ: أَنَّ التَّرَدُّدَ بَيْن جِنْسَيْنِ مِنْ الْعُقُوبَةِ إذَا لَمْ يَكُونَا قَتْلًا، يَقْتَضِي إسْقَاطَهُمَا وَالِانْتِقَالَ إلَى التَّعْزِيرِ، وَسَيَأْتِي فِي أَحْكَامِ الْخُنْثَى.

وَمِنْهَا رَجُلٌ فَاتَتْهُ صَلَاةُ يَوْمَيْنِ فَصَلَّى عَشْرَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ سَجْدَةٍ لَا يَدْرِي مِنْ أَيُّهَا. أَفْتَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ فِيمَنْ تَرَكَ صَلَوَاتٍ لَا يَدْرِي عَدَدَهَا: أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ إتْيَانَهُ بِالْمَتْرُوكِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْمُطَارَحَاتِ: الصَّحِيحُ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدَةٍ، فَبِإِعَادَتِهَا يَصِيرُ شَاكًّا فِي وُجُوبِ الْبَاقِي فَلَا يَلْزَمُهُ بِالشَّكِّ وُجُوبُ إعَادَةِ الْبَاقِي، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْقَفَّالِ فِي تِلْكَ: يَكْتَفِي بِقَضَاءِ مَا يَشُكُّ بَعْدَهُ: فِي أَنَّهُ هَلْ بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ؟

قَاعِدَة: الْأَصْلُ الْعَدَمُ

فِيهَا فُرُوعٌ: مِنْهَا: الْقَوْلُ قَوْلُ نَافِي الْوَطْءِ غَالِبًا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ. وَمِنْهَا: الْقَوْلُ قَوْلُ عَامِلِ الْقِرَاضِ فِي قَوْلِهِ: لَمْ أَرْبَحْ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرِّبْح، أَوْ لَمْ أَرْبَحْ إلَّا كَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّائِدِ، وَفِي قَوْلِهِ: لِمَ تَنْهَنِي عَنْ شِرَاءِ كَذَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّهْيِ ; وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُهُ الْمَالِكُ لَكَانَ خَائِنًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخِيَانَةِ، وَفِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ دَفْعِ الزِّيَادَةِ، وَفِي قَوْلِهِ بَعْدَ التَّلَفِ: أَخَذْت الْمَالَ قِرَاضًا، وَقَالَ الْمَالِكُ قَرْضًا كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِمَا، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الضَّمَانِ.

وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: قِرَاضًا وَقَالَ الْآخَر قَرْضًا، وَذَلِكَ عِنْدَ بَقَاءِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ، فَلَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْقَرْضِ أَيْضًا لِأُمُورٍ: مِنْهَا أَنَّهُ أَغْلَظَ عَلَيْهِ

58

لِأَنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يُتْلِف الْمَالَ أَوْ يَخْسَرَ، وَمِنْهَا أَنَّ الْيَدَ لَهُ فِي الْمَالِ وَالرِّبْحِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى جَعْلِ الرِّبْحِ لَهُ، بِقَوْلِهِ: اشْتَرَيْت هَذَا لِي، فَإِنَّهُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَالَ قِرَاضٌ، فَدَعْوَاهُ أَنَّ الْمَالَ قَرْضٌ يَسْتَلْزِم دَعْوَاهُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لَهُ، فَيَكُونُ رِبْحُهُ لَهُ. وَمِنْهَا: لَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، فَادَّعَى الْأَدَاءَ وَالْإِبْرَاءَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ غَرِيمِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ.

وَمِنْهَا: لَوْ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ، فَأَنْكَرَهُ الْبَائِعُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِهِ فَقِيلَ: لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ فِي يَد الْبَائِعِ وَقِيلَ: لِأَنَّ الْأَصْلَ لُزُومُ الْعَقْدِ، وَبِهَذَا التَّعْلِيلِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ.

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ قِدَمَهُ وَالْمُشْتَرِي حُدُوثَهُ وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ: بِأَنْ يَبِيعَهُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ، فَيَدَّعِي الْمُشْتَرِي الْحُدُوثَ قَبْلَ الْقَبْضِ حَتَّى يُرَدَّ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ، فَإِنْ عَلَّلْنَا بِكَوْنِ الْأَصْل عَدَمه فِي يَد الْبَائِع، صَدَّقْنَا الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى يَقْتَضِي الرَّدّ هُنَا، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِكَوْنِ الْأَصْلِ اللُّزُومَ صَدَّقْنَا الْبَائِعَ.

قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَمُقْتَضَى، ذَلِكَ تَصْحِيحُ تَصْدِيقِ الْبَائِعِ وَمِنْهَا: اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْوَلِيّ فِي مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الِانْدِمَالُ، فَالْمُصَدَّقُ الْجَانِي ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمُضِيِّ.

وَمِنْهَا: أَكَلَ طَعَامَ غَيْرِهِ، وَقَالَ: كُنْتَ أَبَحْتَهُ لِي، وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ، صُدِّقَ الْمَالِكُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِبَاحَةِ.

وَمِنْهَا: سُئِلَ النَّوَوِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ لَهُ ابْنٌ مَاتَتْ أُمُّهُ، فَاسْتَرْضَعَ لَهُ يَهُودِيَّةً لَهَا وَلَدٌ يَهُودِيٌّ ثُمَّ غَابَ الْأَبُ مُدَّةً وَحَضَرَ، وَقَدْ مَاتَتْ الْيَهُودِيَّةُ فَلَمْ يَعْرِفْ ابْنَهُ مِنْ ابْنِهَا وَلَيْسَ لِلْيَهُودِيَّةِ مَنْ يَعْرِفُ وَلَدَهَا، وَلَا قَافَةَ هُنَاكَ.

فَأَجَابَ: يَبْقَى الْوَلَدَانِ مَوْقُوفَيْنِ حَتَّى يُبَيَّنَ الْحَالُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَافَةٍ أَوْ يَبْلُغَا فَيَنْتَسِبَانِ انْتِسَابًا مُخْتَلِفًا وَفِي الْحَالِ يُوضَعَانِ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ، فَإِنْ بَلَغَا وَلَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةٌ وَلَا قَافَةٌ وَلَا انْتَسَبَا، دَامَ الْوَقْف فِيمَا يَرْجِع إلَى النَّسَبِ.

وَيُتَلَطَّف بِهِمَا إلَى أَنْ يُسْلِمَا جَمِيعًا، فَإِنْ أَصَرَّا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يُكْرَهَا عَلَيْهِ وَلَا يُطَالَبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إلْزَامِهِمَا بِهِ، وَشَكَكْنَا فِي الْوُجُوبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ، وَهُمَا كَرَجُلَيْنِ سُمِعَ مِنْ أَحَدِهِمَا صَوْتُ حَدَثٍ وَتَنَاكَرَاهُ لَا يَلْزَم وَاحِدًا مِنْهُمَا الْوُضُوءُ، بَلْ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ صَلَاتِهِمَا فِي الظَّاهِرِ.

وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ: إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَقَالَ آخَرُ: إنْ لَمْ يَكُنْ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، فَطَارَ وَلَمْ يُعْرَفْ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الظَّاهِرِ الِاسْتِمْتَاعُ بِزَوْجَتِهِ لِلْبَقَاءِ عَلَى الْأَصْلِ، وَأَمَّا نَفَقَتُهُمَا وَمُؤْنَتُهُمَا فَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَالٌ كَانَتْ فِيهِ، وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَى أَبِ الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ ابْنٍ بِشَرْطِهِ

59

وَتَجِبُ نَفَقَةُ آخَرَ، وَهُوَ الْيَهُودِيُّ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ ذِمِّيًّا، وَشَرْطُهُ: أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ أُصُولِهِ مِمَّنْ تَلْزَمهُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ أَقَارِبِ الْكَافِرِ أَحَدٌ، وُقِفَ نَصِيبُهُ حَتَّى يُتَبَيَّنَ الْحَالُ أَوْ يَقَعَ اصْطِلَاحٌ، وَكَذَا إنْ مَاتَ مِنْ أَقَارِبِ الْمُسْلِمِ أَحَدٌ.

وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وُقِفَ مَالُهُ أَيْضًا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْبُلُوغِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ بَيْن مَقَابِر الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ، أَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِسْلَامِ جَازَ غُسْلُهُ دُونَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَهُودِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ، وَلَا يَصِحّ نِكَاحُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّهُ يَهُودِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ، كَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ.

قَاعِدَة: الْأَصْلُ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ

: الْأَصْلُ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ.

وَمِنْ فُرُوعهَا: رَأَى فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا لَزِمَهُ الْغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ فِي الْأُمِّ: وَتَجِب إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ.

وَمِنْهَا: تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ أَيَّامًا وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا فَأْرَة، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءٌ إلَّا مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّاهُ بِالنَّجَاسَةِ.

وَمِنْهَا: ضَرَبَ بَطْنَ حَامِلٍ فَانْفَصَلَ الْوَلَدُ حَيًّا وَبَقِيَ زَمَانًا بِلَا أَلَمٍ ثُمَّ مَاتَ، فَلَا ضَمَانَ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ. وَمِنْهَا: فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَطَارَ فِي الْحَالِ ضَمِنَهُ، وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَلَا إحَالَةَ عَلَى اخْتِيَارِ الطَّائِرِ.

وَمِنْهَا: ابْتَاعَ عَبْدًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا وَمَاتَ: فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الْمَرَضَ يَتَزَايَدُ فَيَحْصُلُ الْمَوْتُ بِالزَّائِدِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إضَافَتُهُ إلَى السَّابِقِ.

وَمِنْهَا: تَزَوَّجَ أَمَة ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ، صَارَتْ أُمّ وَلَدٍ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ النِّكَاحِ.

وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ صُوَرٌ: مِنْهَا: لَوْ كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا، فَتَبَرَّعَ ثُمَّ قَتَلَهُ إنْسَانٌ أَوْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ أَوْ غَرِقَ حُسِبَ تَبَرُّعُهُ مِنْ الثُّلُثِ، كَمَا لَوْ مَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ.

وَمِنْهَا: لَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَتَوَرَّمَتْ وَسَقَطَتْ بَعْد أَيَّام، وَجَبَ الْقِصَاصُ.

قُلْت: هَذِهِ لَا تُسْتَثْنَى ; لِأَنَّ بَابَ الْقِصَاصِ كُلَّهُ كَذَلِكَ، لَوْ ضَرَبَهُ أَوْ جَرَحَهُ وَتَأَلَّمَ إلَى الْمَوْتِ وَجَبَ الْقِصَاصُ.

قَاعِدَة: الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْرِيمِ

60

الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْرِيمِ.

هَذَا مَذْهَبُنَا، وَعِنْد أَبِي حَنِيفَةَ: الْأَصْلُ فِيهَا التَّحْرِيمُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَيُعَضِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنْ اللَّهِ عَافِيَتَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئًا» أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ

. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» وَفِي لَفْظٍ «وَسَكَتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَتَكَلَّفُوهَا رَحْمَةً لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا»

. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ: " أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْجُبْنِ وَالسَّمْنِ وَالْفِرَاءِ فَقَالَ: «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى وَيَتَخَرَّج عَنْ هَذِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلِ حَالُهَا: مِنْهَا:

الْحَيَوَانُ الْمُشْكِلِ أَمْرُهُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْحِلُّ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمِنْهَا: النَّبَاتُ الْمَجْهُولُ تَسْمِيَتُهُ قَالَ الْمُتَوَلِّي يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ الْأَقْرَبُ الْمُوَافِقُ لِلْمَحْكِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا الْحِلُّ.

وَمِنْهَا: إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُ النَّهْرِ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ؟ هَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ أَوْ الْمِلْكِ؟ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ أَوْ الْحَظْرُ.

وَمِنْهَا: لَوْ دَخَلَ حَمَامٌ بُرْجَهُ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ؟ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، جَزَمَ بِهِ فِي أَصْلَ الرَّوْضَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ.

وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ فِي كِبَرِ الضَّبَّةِ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.

وَمِنْهَا: مَسْأَلَةُ الزَّرَافَةِ، قَالَ السُّبْكِيُّ: الْمُخْتَارُ أَكْلُهَا: لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَلَيْسَ لَهَا نَابٌ كَاسِرٌ، فَلَا تَشْمَلُهَا أَدِلَّةُ التَّحْرِيمِ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهَا أَصْلًا لَا بِحِلٍّ وَلَا بِحُرْمَةٍ، وَصُرِّحَ بِحِلِّهَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ، وَتَتِمَّةِ الْقَوْلِ وَفُرُوعِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَزَمَ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيه بِتَحْرِيمِهَا، وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَقَوَاعِدُهُمْ تَقْتَضِي حِلِّهَا.

قَاعِدَة: الْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ

61

فَإِذَا تَقَابَلَ فِي الْمَرْأَةِ حِلٌّ وَحُرْمَةٌ، غُلِّبَتْ الْحُرْمَةُ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَتْ مَحْرَمَةٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ مَحْصُورَاتٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَصْلُهُنَّ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَتَأَيَّد الِاجْتِهَادُ بِاسْتِصْحَابِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ النِّكَاحُ فِي صُورَةِ غَيْرِ الْمَحْصُورَاتِ، رُخْصَةً مِنْ اللَّهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ لِئَلَّا يَنْسَدَّ بَابُ النِّكَاحِ عَلَيْهِ.

وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ " أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ شَخْصًا فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ وَوَصَفَهَا، فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ جَارِيَةً بِالصِّفَةِ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمهَا لِلْمُوَكِّلِ. لَمْ يَحِلّ لِلْمُوَكِّلِ وَطْؤُهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ الْجَارِيَةَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ ظَاهِرًا فِي الْحِلِّ وَلَكِنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، حَتَّى يُتَيَقَّنَ سَبَبُ الْحِلِّ.

وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ: أَنَّ وَطْءَ السَّرَارِي اللَّائِي يُجْلَبْنَ الْيَوْمَ مِنْ الرُّومِ وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ حَرَامٌ، إلَّا أَنْ يَنْتَصِبَ فِي الْمَغَانِمِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ مَنْ يُحْسِنُ قِسْمَتَهَا فَيَقْسِمهَا مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا ظُلْمٍ، أَوْ تَحْصُلُ قِسْمَةٌ مِنْ مُحَكَّمٍ، أَوْ تُزَوَّجَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَالْمُعْتِقِ، وَالِاحْتِيَاطُ اجْتِنَابُهُنَّ مَمْلُوكَاتٍ وَحَرَائِرَ.

قَالَ السُّبْكِيُّ فِي الْحَلَبِيَّاتِ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الْوَرَعُ وَأَمَّا الْحُكْمُ اللَّازِمُ: فَالْجَارِيَةُ إمَّا أَنْ يُعْلَمَ حَالُهَا أَوْ يُجْهَلَ، فَإِنْ جُهِلَ فَالرُّجُوعُ فِي ظَاهِر الشَّرْعِ إلَى الْيَدِ، إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَإِلَى الْيَدِ وَإِقْرَارِهَا، إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، وَالْيَدُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، كَالْإِقْرَارِ، وَإِنْ عُلِمَ فَهِيَ أَنْوَاعٌ:

أَحَدُهَا: مَنْ تَحَقَّقَ إسْلَامُهَا فِي بِلَادِهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا رِقٌّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ لَا تَحِلُّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه، إلَّا بِنِكَاحٍ بِشُرُوطِهِ.

الثَّانِي: كَافِرَةٌ مِمَّنْ لَهُمْ ذِمَّةٌ وَعَهْد فَكَذَلِكَ.

الثَّالِثُ: كَافِرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، مَمْلُوكَةٌ لِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَبَاعَهَا فَهِيَ حَلَالٌ لِمُشْتَرِيهَا.

الرَّابِعُ: كَافِرَةٌ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، قَهَرَهَا وَقَهَرَ سَيِّدَهَا كَافِرٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ يَمْلِكهَا كُلَّهَا وَيَبِيعُهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَتَحِلُّ لِمُشْتَرِيهَا وَهَذَانِ النَّوْعَانِ: الْحِلُّ فِيهِمَا قَطْعِيٌّ وَلَيْسَ مَحِلّ الْوَرَعِ، كَمَا أَنَّ النَّوْعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ الْحُرْمَةُ فِيهِمَا قَطْعِيَّةٌ.

النَّوْعُ الْخَامِسُ: كَافِرَةُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا رِقٌّ، وَأَخَذَهَا مُسْلِمٌ، فَهَذَا أَقْسَامٌ:

62

أَحَدُهَا: أَنْ يَأْخُذَهَا جَيْشُ مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ بِإِيجَافِ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ، وَخُمُسُهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَغَلِطَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ، فَقَالَ: إنَّ حُكْمَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ رَاجِعٌ إلَى رَأْي الْإِمَامِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً، وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ كُرَّاسَةً سَمَّاهَا " الرُّخْصَةُ الْعَمِيمَةُ فِي أَحْكَامِ الْغَنِيمَةِ " وَانْتَدَبَ لَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فِي كُرَّاسَةٍ أَجَادَ فِيهَا، وَالصَّوَابُ مَعَهُ قَطْعًا، وَقَدْ تَتَبَّعْت غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَرَايَاهُ، فَكُلُّ مَا حَصَلَ فِيهِ غَنِيمَةٍ أَوْ فَيْءٍ قُسِمَ وَخُمِّسَ، وَكَذَلِكَ غَنَائِمُ بَدْرٍ. وَمَنْ تَتَبَّعَ السِّيَرَ وَجَدَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا، وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، لَمْ يَصِحّ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْجَلِيَ الْكُفَّارُ عَنْهَا بِغَيْرِ إيجَابٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَمُوتَ عَنْهَا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ فَيْءٌ يُصْرَفُ لِأَهْلِهِ، فَالْجَارِيَةُ الَّتِي تُوجَدُ مِنْ غَنِيمَةٍ أَوْ فَيْءٍ، لَا تَحِلُّ حَتَّى تُتَمَلَّكَ مِنْ كُلِّ مَنْ يَمْلِكُهَا مِنْ أَهْلِ الْغَنِيمَةِ أَوْ الْفَيْءِ، أَوْ مِنْ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِمْ، أَوْ الْوَكِيلِ عَنْهُمْ، أَوْ مِمَّنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَلَوْ بَقِيَ فِيهَا قِيرَاطٌ لَا تَحِلُّ حَتَّى يَتَمَلَّكَهُ مِمَّنْ هُوَ لَهُ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَغْزُوَ وَاحِدٌ، أَوْ اثْنَانِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَمَا حَصَلَ لَهُمَا مِنْ الْغَنِيمَةِ يَخْتَصَّانِ بِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا. وَالْخُمُسُ لِأَهْلِهِ. هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَلَا فَرْقَ بَيْن أَنْ تَكُونَ السَّرِيَّةُ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً.

الرَّابِعُ: أَنْ يَغْزُوَ وَاحِدٌ، أَوْ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.

الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْوَاحِدُ أَوْ الِاثْنَانِ وَنَحْوُهُمَا لَيْسُوا عَلَى صُورَةِ الْغُزَاةِ، بَلْ مُتَلَصِّصِينَ فَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُمْ إذَا دَخَلُوا يُخَمَّسُ مَا أَخَذُوهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُمْ غَرَّرُوا بِأَنْفُسِهِمْ فَكَانَ كَالْقِتَالِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ مَعْنَى الْغَزْوِ.

وَالْإِمَامُ فِي مَوْضِعٍ حَكَى هَذَا وَضَعَّفَهُ، وَقَالَ: إنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ التَّخْمِيسِ وَفِي مَوْضِعِ ادَّعَى إجْمَاعَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ، وَلَا يُخَمَّسُ وَجَعَلَ مَالَ الْكُفَّارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: غَنِيمَةٍ، وَفَيْءٍ، وَغَيْرِهِمَا كَالسَّرِقَةِ، فَيَتَمَلَّكُهُ مَنْ يَأْخُذُهُ، قِيَاسًا عَلَى الْمُبَاحَاتِ وَوَافَقَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الْبَغَوِيّ: إنَّ الْوَاحِدَ إذَا أَخَذَ مِنْ حَرْبِيٍّ شَيْئًا عَلَى جِهَةِ السَّوْمِ فَجَحَدَهُ أَوْ هَرَبَ بِهِ، اخْتَصَّ بِهِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ يُحْتَمَل أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ رَدُّهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ ائْتَمَنَهُ فَإِنْ صَحَّ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَافَقَ الْغَزَالِيُّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِلَاس فَيْءٌ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ غَنِيمَةٌ. وَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ، وَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ: إنْ أَرَادَ بِالْفَيْءِ

63

الْغَنِيمَة حَصَلَ الْوِفَاقُ، وَإِلَّا فَلَا وَزَعَمَ أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنْ الْمُخْتَلِسِ، وَيُعْطَى جَمِيعُهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَأَهْلِ الْخُمُسِ فَبَعِيدٌ.

فَهَذَا الْقِسْمُ الْخَامِسُ مِنْ النَّوْعِ الْخَامِسِ، قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى صُوَرٍ، وَلَمْ يُفْرِدْهَا الْأَصْحَابُ. بَلْ ذَكَرُوهَا مُدْرَجَةً مَعَ الْقِسْمِ الرَّابِعِ، وَالْجَارِيَةُ الْمَأْخُوذَةُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فِيهَا هَذَا الْخِلَافُ، وَاجْتِنَابُهَا مَحَلُّ الْوَرَعِ انْتَهَى.

قَاعِدَة: الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ

وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ: مِنْهَا: إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، أَوْ أَوْصَى لَهُمْ، لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْوَلَدِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ حَقِيقَةً فِي وَلَدِ الصُّلْبِ، وَفِي وَجْهٍ نَعَمْ، حَمْلًا لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، أَوْ لَا يَشْتَرِي، أَوَّلًا يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَوَكَّلَ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَفِي قَوْلٍ: إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ، كَالسُّلْطَانِ، أَوْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَعْتَادُ الْحَالِفُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ، كَالْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ حَنِثَ إذَا أَمَرَ بِفِعْلِهِ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى حُفَّاظِ الْقُرْآنِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَنْ كَانَ حَافِظًا وَنَسِيَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حَافِظٌ إلَّا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ الْبَحْر.

وَمِنْهَا: وَقَفَ عَلَى وَرَثَةِ زَيْدٍ وَهُوَ حَيٌّ، لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْحَيَّ لَا وَرَثَةَ لَهُ. قَالَهُ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَوْ قِيلَ: يَصِحُّ، حَمْلًا عَلَى الْمَجَازِ: أَيْ وَرَثَتِهِ لَوْ مَاتَ لَكَانَ مُحْتَمِلًا.

وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَا يَشْتَرِي، أَوْ لَا يَسْتَأْجِرُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالصَّحِيحِ، دُونَ الْفَاسِدِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالصَّحِيحِ، دُونَ الْفَاسِدِ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّار لِزَيْدٍ كَانَ إقْرَارًا لَهُ بِالْمِلْكِ، حَتَّى لَوْ قَالَ أَرَدْت أَنَّهَا مَسْكَنُهُ لَمْ يُسْمَعُ.

وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُل دَارَ زَيْدٍ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِدُخُولِ مَا يَمْلِكُهَا، دُونَ مَا يَسْكُنُهَا بِإِعَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ ; لِأَنَّ إضَافَتَهَا إلَيْهِ مَجَازٌ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَسْكَنَهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ مَسْكَنَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِ دَارِهِ الَّتِي هِيَ مِلْكُهُ وَلَا يَسْكُنُهَا فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَسْكَنَهُ حَقِيقَةً.

وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ، حَنِثَ بِلَحْمِهَا، لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ، دُونَ لَبَنِهَا وَنَتَاجِهَا لِأَنَّهُ مَجَازٌ. نَعَمْ، إنْ هُجِرَتْ الْحَقِيقَةُ تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ الرَّاجِحِ، كَأَنْ حَلَفَ

64

لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِثَمَرِهَا، وَإِنْ كَانَ مَجَازًا دُون وَرَقِهَا وَأَغْصَانِهَا وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً.

(تَنْبِيهٌ)

قَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْأَصْل مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، فَالْأَصَحُّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالتَّحَرُّمِ وَفِي وَجْهٍ: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْفَرَاغِ ; لِأَنَّهَا قَدْ تَفْسُدُ قَبْلَ تَمَامِهَا، فَلَا يَكُونُ مُصَلِّيًا حَقِيقَةً وَهَذَا هُوَ قِيَاسُ الْقَاعِدَةِ، وَفِي ثَالِثٍ: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَرْكَع ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُون أَتَى بِالْمُعْظَمِ، فَيَقُومُ مَقَامَ الْجَمِيعِ وَالرَّافِعِيُّ حَكَى الْأَوْجُهَ فِي الشَّرْحِ، وَلَمْ يُصَحِّحْ شَيْئًا.

ذِكْرُ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ

قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: ذَكَر جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّينَ: أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلٌ وَظَاهِرٌ أَوْ أَصْلَانِ فَفِيهَا قَوْلَانِ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّ لَنَا مَسَائِلُ يُعْمَل فِيهَا بِالظَّاهِرِ بِلَا خِلَافٍ، كَشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، فَإِنَّهَا تُفِيدُ الظَّنَّ، وَيُعْمَل بِهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَمَسْأَلَةُ بَوْلِ الظَّبْيَة وَأَشْبَاهِهَا، وَمَسَائِلُ يُعْمَلُ فِيهَا بِالْأَصْلِ بِلَا خِلَافٍ.

كَمَنْ ظَنَّ حَدَثًا، أَوْ طَلَاقًا، أَوْ عِتْقًا، أَوْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يُعْمَلُ فِيهَا بِالْأَصْلِ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ: وَالصَّوَابُ فِي الضَّابِطِ مَا حَرَّرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ: إذَا تَعَارَضَ أَصْلَانِ أَوْ أَصْلُ وَظَاهِرٌ، وَجَبَ النَّظَرُ فِي التَّرْجِيح، كَمَا فِي تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ، فَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّاجِحِ فَهِيَ مَسَائِلُ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ تَرَجَّحَ دَلِيلُ الظَّاهِرِ حُكِمَ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ تَرَجَّحَ دَلِيلٌ أَصْلِيٌّ حُكِمَ بِهِ بِلَا خِلَافٍ انْتَهَى.

فَالْأَقْسَامُ حِينَئِذٍ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: مَا يُرَجَّحُ فِيهِ الْأَصْلُ جَزْمًا، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُرُوعِ وَضَابِطُهُ أَنْ يُعَارِضَهُ احْتِمَالٌ مُجَرَّدٌ.

الثَّانِي: مَا تَرَجَّحَ فِيهِ الظَّاهِرُ جَزْمًا وَضَابِطُهُ: أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى سَبَبٍ مَنْصُوبٍ شَرْعًا، كَالشَّهَادَةِ تُعَارِضُ الْأَصْلَ، وَالرِّوَايَةِ، وَالْيَدِ فِي الدَّعْوَى، وَإِخْبَارِ الثِّقَةِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ، وَإِخْبَارِهَا بِالْحَيْضِ، وَانْقِضَاءِ الْأَقْرَاءِ، أَوْ مَعْرُوفٍ عَادَةً، كَأَرْضٍ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَغْرَقُ وَتَنْهَارُ فِي الْمَاءِ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا، وَجَوَّزَ الرَّافِعِيُّ تَخْرِيجَهُ عَلَى تَقَابُلِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ.

وَمَثَّلَ الزَّرْكَشِيُّ لِذَلِكَ بِاسْتِعْمَالِ السِّرْجِينِ فِي أَوَانِي الْفَخَّارِ، فَيُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ قَطْعًا، وَنَقَلَهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، وَبِالْمَاءِ الْهَارِبِ مِنْ الْحَمَّامِ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِالْبَوْلِ فِيهِ أَوْ يَكُونُ مَعَهُ مَا يَعْتَضِدُ بِهِ كَمَسْأَلَةِ بَوْل الصَّبِيَّةِ.

وَمِنْهُ: لَوْ أَخَذَ الْمُحْرِم بَيْضَ دَجَاجَةٍ وَأَحْضَنَهَا صَيْدًا فَفَسَدَ بَيْضُهُ، ضَمِنَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْفَسَادَ نَشَأَ مِنْ ضَمِّ بَيْضِ الدَّجَاجِ إلَى بَيْضِهِ، وَلَمْ يَحْكِ الرَّافِعِيُّ فِيهِ خِلَافًا.

65

الثَّالِثُ: مَا يُرَجَّحُ فِيهِ الْأَصْلُ عَلَى الْأَصَحِّ وَضَابِطُهُ: أَنْ يَسْتَنِدَ الِاحْتِمَالُ إلَى سَبَبٍ ضَعِيفٍ وَأَمْثِلَتُهُ لَا تَكَادُ تُحْصَرُ.

مِنْهَا: الشَّيْءُ الَّذِي لَا يُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ، كَأَوَانِي وَثِيَابِ مُدْمِنِي الْخَمْرِ، وَالْقَصَّابِينَ وَالْكُفَّارِ الْمُتَدَيِّنِينَ بِهَا كَالْمَجُوسِ، وَمَنْ ظَهَرَ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّجَاسَةِ وَعَدَمِ احْتِرَازِهِ مِنْهَا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْإِمَامِ، وَطِينِ الشَّارِعِ وَالْمَقَابِرِ الْمَنْبُوشَةِ حَيْثُ لَا تُتَيَقَّنُ. وَالْمَعْنَى بِهَا كَمَا قَالَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ: الَّتِي جَرَى النَّبْشُ فِي أَطْرَافِهَا وَالْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ انْتِشَارُ النَّجَاسَةِ فِيهَا وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: مَا لَوْ أَدْخَلَ الْكَلْب رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ، وَأَخْرَجَهُ وَفَمُهُ رَطْبٌ، وَلَمْ يُعْلَم وُلُوغُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ الْإِنَاءِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ يَابِسًا، فَطَاهِرٌ قَطْعًا. وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ سَقَطَ فِي بِئْرٍ فَأْرَةٌ، وَأُخِذَ دَلْوٌ قَبْل أَنْ يُنْزَحَ إلَى الْحَدِّ الْمُعْتَبَر، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ شَعْرٍ، وَلَمْ يُرَ، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ. وَالْأَظْهَرُ الطَّهَارَةُ.

وَمِنْهَا: إذَا تَنَحْنَحَ الْإِمَامُ وَظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ الْمُفَارَقَةُ أَمْ لَا لِلظَّاهِرِ الْغَالِبِ الْمُقْتَضِي لِبُطْلَانِ الصَّلَاة، أَوَّلًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ صَلَاتِهِ، وَلَعَلَّهُ مَعْذُورٌ فِي التَّنَحْنُحِ، فَلَا يُزَالُ الْأَصْل إلَّا بِيَقِينٍ؟ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.

وَمِنْهَا: لَوْ امْتَشَطَ الْمُحْرِمُ فَانْفَصَلَتْ مِنْ لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا فِدْيَةَ ; لِأَنَّ النَّتْفَ لَمْ يَتَحَقَّقْ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ لِأَنَّ الْمَشْطَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، فَيُضَافُ إلَيْهِ، كَإِضَافَةِ الْإِجْهَاض إلَى الضَّرْبِ. وَمِنْهَا: الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ، هَلْ هُوَ حَيْضٌ؟ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ مُتَرَدِّدٌ بَيْن كَوْنِهِ دَم عِلَّةٍ، أَوْ دَمَ جِبِلَّةٍ، وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ. وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْحَامِلِ عَدَمُ الْحَيْضِ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَذَفَ مَجْهُولًا وَادَّعَى رِقَّهُ، فَقَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَاذِفِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَالثَّانِي: قَوْلُ الْمَقْذُوفِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْحُرِّيَّةُ، فَإِنَّهَا الْغَالِبُ فِي النَّاسِ.

وَمِنْهَا: لَوْ جَرَتْ خَلْوَةٌ بَيْن الزَّوْجَيْنِ، وَادَّعَتْ الْإِصَابَةَ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا: تَصْدِيقُ الْمُنْكِرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عِلْمُهَا.

وَالثَّانِي: تَصْدِيقُ مُدَّعِيهَا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْخَلْوَةِ الْإِصَابَةُ غَالِبًا.

وَمِنْهَا: لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ الْوَثَنِيَّانِ قَبْلَ الدُّخُول فَقَالَ الزَّوْجُ: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ وَأَنْكَرَتْ، فَالْقَوْل قَوْلُهُ فِي الْأَظْهَرِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَالثَّانِي قَوْلُهَا لِأَنَّ التَّسَاوِيَ فِي الْإِسْلَامِ نَادِرٌ فَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ.

66

وَمِنْهَا: دَعْوَى الْمَدْيُونِ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالِ، الْإِعْسَارِ، فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ، وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْحُرِّ أَنَّهُ يَمْلِكُ شَيْئًا. وَمِنْهَا: إذَا ادَّعَى الْغَاصِبُ عَيْبًا خِلْقِيًّا فِي الْمَغْصُوبِ، كَقَوْلِهِ: وُلِدَ أَكْمَهَ أَوْ أَعْرَجَ أَوْ فَاقِدَ الْيَدِ، فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ، وَيُمْكِنُ الْمَالِكَ إقَامَةُ الْبَيِّنَة.

وَالثَّانِي: تَصْدِيقُ الْمَالِكِ لِأَنَّ الْغَالِبَ السَّلَامَةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى عَيْبًا حَادِثًا فَإِنَّ الْأَظْهَرَ تَصْدِيقُ الْمَالِكِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالْغَالِبَ دَوَامُ السَّلَامَةِ وَالثَّانِي الْغَاصِبِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلَانِ، وَاعْتَضَدَ أَحَدُهُمَا بِظَاهِرٍ.

وَنَظِيرُ ذَلِكَ: مَا لَوْ جَنَى عَلَى طَرْفٍ، وَزَعَمَ نَقْصَهُ، فَإِنَّهُ إنْ ادَّعَى عَيْبًا خِلْقِيًّا فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ صُدِّقَ الْجَانِي فِي الْأَظْهَرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ. وَالْمَالِكُ يُمْكِنهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ ادَّعَى عَيْبًا حَادِثًا أَوْ أَصْلِيًّا فِي عُضْوٍ بَاطِنٍ فَالْأَظْهَرُ: تَصْدِيقُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ.

وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهُ كَانَ كَاتِبًا صُدِّقَ الْغَاصِبُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ، وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِمَّا زَادَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْمَالِكُ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ صِفَاتِ الْعَبْدِ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا السَّيِّدُ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: هَذَا وَلَدِي مِنْ جَارِيَتِي هَذِهِ، لَحِقَهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَهَلْ يَثْبُتُ كَوْنُ الْجَارِيَةِ أُمَّ وَلَدٍ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ أَوَّلًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اسْتَوْلَدَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ رَجَّحَ الرَّافِعِيُّ الثَّانِيَ، قَالَ: وَلَهُمَا خُرُوجٌ عَلَى تَقَابُلِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ لَمْ تَقْبِضْ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ عَنْ الرَّهْنِ بَلْ أَعَرْتُكَهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اللُّزُومِ وَعَدَمُ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ وَقِيلَ: قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَبَضَهُ عَنْ الرَّهْنِ.

وَمِنْهَا: جَاءَ الْمُتَبَايِعَانِ مَعًا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَمْ أُفَارِقْهُ، فَلِي خِيَارُ الْمَجْلِسِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّفَرُّقِ، كَذَا أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ بَيِّنٌ إنْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ. وَأَمَّا إذَا طَالَتْ فَدَوَامُ الِاجْتِمَاعِ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُهُ عَلَى تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ. وَتَابَعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.

وَمِنْهَا: طَرَحَ الْعَصِيرَ فِي الدَّنِّ، وَأَحْكَمَ رَأْسه ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِلْ خَمْرًا، وَلَمْ يَفْتَحْ رَأْسَهُ إلَى مُدَّةٍ، وَلَمَّا فُتِحَ وَجَدَهُ خَلًّا فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاسْتِحَالَةِ وَعَدَمُ الْحِنْثِ، وَالثَّانِي إنْ كَانَ ظَاهِرُ الْحَالِ صَيْرُورَتَهُ خَمْرًا وَقْتَ الْحَلِفِ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا.

وَمِنْهَا جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ بَرِئَ أَوْ مَاتَ؟ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ

67

عَلَيْهِ ضَمَانَ مَا نَقَصَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّائِدِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْجَزَاء كَامِلًا، لِأَنَّهُ قَدْ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُمْتَنَعٍ، وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَوْ غَابَ وَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَمْ يَدْرِ هَلْ مَاتَ بِجُرْحِهِ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ فَهَلْ يَجِبُ جَزَاءٌ كَامِلٌ، أَوْ ضَمَانُ الْجُرْحِ فَقَطْ؟ قَوْلَانِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: أَصَحّهمَا الثَّانِي.

وَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَةِ الظَّبْيَةِ: أَنْ لَا يَرَى الْمَاء عَقِبَ الْبَوْلِ، بَلْ تَغَيَّبَ ثُمَّ يَجِدُهُ مُتَغَيِّرًا فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِأَنَّ التَّغَيُّرَ عَنْ الْبَوْلِ.

وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: لَوْ جَرَحَ الصَّيْدَ وَغَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَإِنَّهُ لَا يَحِلّ فِي الْأَظْهَر. وَمِنْهَا: لَوْ رَمَى حَصَاةً إلَى الْمَرْمَى وَشَكَّ: هَلْ وَقَعَتْ فِيهِ أَوْ لَا؟ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَجْزِيهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِيهِ وَبَقَاءُ الرَّمْيِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: يَجْزِيهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُهَا فِي الْمَرْمَى.

الرَّابِعُ: مَا تَرَجَّحَ فِيهِ الظَّاهِرُ عَلَى الْأَصْلِ بِأَنْ كَانَ سَبَبًا قَوِيًّا مُنْضَبِطًا وَفِيهِ فُرُوعٌ: مِنْهَا: مَنْ شَكَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، فِي تَرْكِ رُكْنٍ غَيْرِ النِّيَّةِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ انْقِضَاءُ الْعِبَادَةِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَالثَّانِي يَقُولُ: الْأَصْل عَدَمُ فِعْلِهِ، وَمِثْلُهُ: مَا لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فِي حَرْفٍ أَوْ كَلِمَةٍ فَلَا أَثَرَ لَهُ. نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ.

وَكَذَا لَوْ اسْتَجْمَرَ وَشَكَّ: هَلْ اسْتَعْمَلَ حَجَرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً كَمَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقِيَاسُهُ كَذَلِكَ فِيمَا لَوْ غَسَلَ النَّجَسَ وَشَكَّ بَعْدَ ذَلِكَ: هَلْ اسْتَوْعَبَهُ؟ وَمِنْهَا: اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ جَرَيَانُ الْعُقُودِ بَيْن الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ، وَالثَّانِي لَا لِقَوْلِ الْأَصْلِ عَدَمَهَا.

وَمِنْهَا: لَوْ جَاءَ مِنْ قُدَّامِ الْإِمَامِ وَاقْتَدَى وَشَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ؟ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ.

وَقِيلَ: لَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَأَخُّرِهِ.

وَمِنْهَا: لَوْ وَكَّلَ بِتَزْوِيجِ ابْنَتِهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُوَكَّلُ وَلَمْ يُعْلَمْ: هَلْ مَاتَ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَالْأَصْلُ عَدَمُ النِّكَاحِ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ " الْأَصَحُّ صِحَّتُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ.

وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى الْجَانِي رِقّ الْمَقْتُولِ صُدِّقَ الْقَرِيبُ فِي الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ. الْغَالِبُ وَمِنْهَا: شَهِدَ فِي وَاقِعَةٍ وَعُدِّلَ ثُمَّ شَهِدَ فِي أُخْرَى بَعْد زَمَانٍ طَوِيلٍ فَالْأَصَحُّ طَلَبُ تَعْدِيلِهِ ثَانِيًا لِأَنَّ طُولَ الزَّمَانِ يُغَيِّرُ الْأَحْوَالَ، وَالثَّانِي: لَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ.

وَمِنْهَا: إذَا جُومِعَتْ فَقَضَتْ شَهْوَتهَا ثُمَّ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ إعَادَةِ الْغُسْلِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ خُرُوجُ مَنِيِّهَا مَعَهُ، وَالثَّانِي لَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ خُرُوجِهِ.

68

وَمِنْهَا: قَالَ الْمَالِكُ: أَجَّرْتُك الدَّابَّةَ، وَقَالَ الرَّاكِبُ، بَلْ أَعَرْتَنِي، فَفِي قَوْلٍ، يُصَدَّق الرَّاكِبُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَالْأَصَحُّ: تَصْدِيقُ الْمَالِكِ، إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، وَالدَّابَّةُ بَاقِيَةٌ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَقْتَضِي الِاعْتِمَادَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْإِذْنِ فَكَذَلِكَ فِي صِفَتِهِ.

وَمِنْهَا: لَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ، فَمَاتَ، وَقَالَ الْمُلْقِي: كَانَ يُمْكِنهُ الْخُرُوجُ، فَفِي، قَوْلٍ يُصَدَّقُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ: يُصَدَّقُ الْوَلِيُّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ لَخَرَجَ.

وَمِنْهَا: إذَا رَأَتْ الْمَرْأَة الدَّمَ لِوَقْتٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا أَمْسَكَتْ عَمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَقِيلَ: لَا، عَمَلًا بِالْأَصْلِ.

فَصْل: فِي تَعَارُضِ الْأَصْلَيْنِ

ِ قَالَ الْإِمَامُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِتَعَارُضِ الْأَصْلَيْنِ، تَقَابُلُهُمَا، عَلَى وَزْنٍ وَاحِدٍ فِي التَّرْجِيحِ فَإِنَّ هَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ، بَلْ الْمُرَاد التَّعَارُضُ، بِحَيْثُ يَتَخَيَّلُ النَّاظِرُ فِي ابْتِدَاءِ نَظَرِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فَإِذَا حَقَّقَ فِكْرَهُ رَجَحَ، ثُمَّ تَارَةً يَجْزِمُ بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ وَتَارَةً يُجْرِي الْخِلَافَ وَيُرَجِّحُ بِمَا عَضَّدَهُ مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَوْ كَانَ فِي جِهَةٍ أَصْلٌ، وَفِي جِهَةٍ أَصْلَانِ جَزَمَ لِذِي الْأَصْلَيْنِ. وَلَمْ يُجْرِ الْخِلَافَ.

فَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ: إذَا ادَّعَى الْعِنِّينُ الْوَطْءَ فِي الْمُدَّةِ، وَهُوَ سَلِيمُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ فَالْقَوْلُ، قَوْلُهُ قَطْعًا، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَطْءِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ. وَاعْتُضِدَ بِظَاهِرِهِ أَنَّ سَلِيمَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ عِنِّينًا فِي الْغَالِبِ فَلَوْ كَانَ خَصِيًّا، أَوْ مَجْبُوبًا جَرَى وَجْهَانِ، وَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُهُ أَيْضًا ; لِأَنَّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَطْءِ تَعْسُرُ، فَكَانَ الظَّاهِرُ الرُّجُوعَ إلَى قَوْلِهِ فَلَوْ ثَبَتَتْ بَكَارَتُهَا رَجَعْنَا إلَى تَصْدِيقِهَا قَطْعًا ; لِاعْتِضَادِ أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ بِظَاهِرٍ قَوِيٍّ.

وَمِنْهَا: قَالَتْ: سَأَلْتُك الطَّلَاقَ بِعِوَضٍ فَطَلَّقْتَنِي عَلَيْهِ مُتَّصِلًا فَأَنَا مِنْكَ بَائِنٌ وَقَالَ بَلْ يُعَدُّ طُولُ الْفَصْلِ، فَلِيَ الرَّجْعَةُ فَالْمُصَدَّقُ الزَّوْجُ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ.

وَمِنْهَا: قَالَ: بِعْتُكَ الشَّجَرَةَ بَعْد التَّأْبِيرِ فَالثَّمَرَةُ لِي، وَعَاكَسَهُ الْمُشْتَرِي صَدَقَ الْبَائِعُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ. جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ.

وَمِنْهَا: اخْتَلَفَا فِي وَلَدَ الْمَبِيعَةِ فَقَالَ الْبَائِعُ: وَضَعَتْهُ قَبْلَ الْعَقْدِ. وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ بَعْدَهُ قَالَ الْإِمَامُ: كَتَبَ الْحَلِيمِيُّ إلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ، وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِي الْمُصَدَّقِ وَجْهَيْنِ.

69

وَمِنْهَا: اخْتَلَفَ مَعَ مُكَاتَبَتِهِ. فَقَالَتْ: وَلَدَتْهُ بَعْد الْكِتَابَة، فَمُكَاتَبٌ مِثْلِي. وَقَالَ السَّيِّدُ: بَلْ قَبْلَهَا صَدَقَ السَّيِّدُ. قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ. قَالَا: وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ، ثُمَّ بَاعَهَا لَهُ، فَوَلَدَتْ وَقَدْ كَاتَبَهُ وَقَالَ السَّيِّدُ: وَلَدَتْ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، فَهُوَ لِي، وَقَالَ الْمُكَاتَبُ بَلْ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَمُكَاتَبٌ صُدِّقَ الْمُكَاتَبُ، وَفُرِّقَا بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ هُنَا يَدَّعِي مِلْكَ الْوَلَدِ لِأَنَّ وَلَدَ أَمَتِهِ مِلْكُهُ، وَيَدُهُ مُقَرَّةٌ عَلَى هَذَا الْوَلَدِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، وَالْمُكَاتَبُ لَا يَدَّعِي الْمِلْك، بَلْ ثُبُوتَ حُكْمِ الْكِتَابَةِ فِيهِ.

وَمِنْهَا: لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ: هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ، أَوْ أَقَلُّ؟ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَتَنَجَّسُ، وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْحَاوِي، وَآخَرُونَ لِتَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْكَثْرَةِ.

وَالثَّانِي: لَا، وَصَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ لِأَنَّ الْأَصْلَ: الطَّهَارَةُ، وَقَدْ شَكَكْنَا فِي نَجَاسَةِ مُنَجِّسِهِ ; وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ. وَرَجَّحَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَيْنَانِيُّ مَقَالَةَ صَاحِبِ الْحَاوِي، وَتَبِعَهُ الْبُلْقِينِيُّ ; لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مُحَقَّقَةٌ، وَبُلُوغُ الْقُلَّتَيْنِ شَرْطٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِالِاسْتِصْحَابِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ، إلَّا أَنْ يُقْطَعَ بِوُجُودِ الْمُنَافِي، وَأَمَّا السُّبْكِيُّ فَإِنَّهُ رَجَّحَ مَقَالَةَ النَّوَوِيِّ.

وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي الصَّيْفِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَرْعًا، وَهُوَ: قُلَّتَانِ مُتَغَيِّرَتَانِ بِنَجَاسَةٍ، ثُمَّ غَابَ عَنْهُمَا ثُمَّ عَادَ، وَلَا تَغَيُّرَ، وَشَكَّ فِي بَقَاءِ الْكَثْرَةِ، فَقَالَ: إنْ قُلْنَا بِالطَّهَارَةِ فِي الْأُولَى فَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكَثْرَةِ، وَنَازَعَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، فَقَالَ: لَا وَجْهَ لِلْبِنَاءِ، وَلَا لِلْخِلَافِ لِأَنَّ تِلْكَ تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلَانِ، فَنَشَأَ قَوْلَانِ، وَهُنَا الْأَصْلُ بَقَاءُ الْكَثْرَةِ بِلَا مُعَارِضٍ.

وَمِنْهَا: لَوْ شَكَكْنَا فِيمَا أَصَابَ مِنْ دَم الْبَرَاغِيثِ أَقَلِيلٌ، أَمْ كَثِيرٌ؟ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ: اجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ النَّجَاسَةِ الْعَفْوُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرُ مَا قَبْلَهَا، وَقَدْ رَجَّحَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْقَلِيلِ.

وَمِنْهَا: لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَهُوَ رَاكِعٌ، وَشَكَّ هَلْ فَارَقَ حَدَّ الرُّكُوعِ قَبْل رُكُوعِهِ فَقَوْلَانِ: أَحَدهمَا: أَنَّهُ مُدْرِكٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ رُكُوعِهِ، وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.

وَمِنْهَا: لَوْ نَوَى وَشَكَّ هَلْ كَانَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ، أَوْ بَعْدَهُ؟ لَمْ يَصِحّ صَوْمُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ وَجْهٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، كَمَنْ شَكَّ فِي إدْرَاكِ الرُّكُوعِ.

وَمِنْهَا: لَوْ أَصْدَقهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ، وَوَجَدْنَاهَا تُحْسِنُهُ فَقَالَ: أَنَا عَلِمْتُهَا وَقَالَتْ: بَلْ غَيْرُهُ، فَقَوْلَانِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّدَاقِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُهَا.

وَمِنْهَا: إذَا غَابَ الْعَبْدُ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ: فَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ فُطْرَتُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ

70

الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ السَّيِّدِ وَرَجَحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ اشْتِغَال ذِمَّةِ السَّيِّدِ قَبْلَ غَيْبَةِ الْعَبْدِ بِفِطْرَتِهِ، فَلَا تُزَالُ إلَّا بِيَقِينِ مَوْتِهِ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي إجْزَاءِ عِتْقِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَجْزِيهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ اشْتِغَالُ ذِمَّته بِالْكَفَّارَةِ فَلَا تَبْرَأ إلَّا بِيَقِينٍ وَنَظِيرُهُ فِي إعْمَالِ كُلٍّ مِنْ الْأَصْلَيْنِ فِي حَالَة مَا إذَا أَدْخَلَ رِجْله الْخُفَّ وَأَحْدَثَ قَبْلَ وُصُولِ الْقَدَم إلَى مُسْتَقَرِّهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ وَلَوْ أَخْرَجَهَا إلَى السَّاقِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا، لَا يَضُرُّ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

وَلَوْ أَرَادَ جَمَاعَةٌ إنْشَاءَ قَرْيَةٍ لَا لِلسَّكَنِ فَأُقِيمَ بِهَا الْجُمُعَةُ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَةً وَانْهَدَمَتْ وَأَقَامَ أَهْلُهَا لِبِنَائِهَا وَأُقِيمَ بِهَا الْجُمُعَةُ صَحَّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلَوْ وَجَدَ لَحْمًا مُلْقًى، وَشَكَّ هَلْ هُوَ مَيْتَةٌ، أَوْ مُذَكَّى؟ لَا يَحِلّ أَكْلُهُ، وَلَوْ لَاقَى شَيْئًا لَمْ يُنَجِّسْهُ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِيهِمَا.

وَمِنْهَا: أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ فِي الْبَيْعِ وَرَجَعَ، ثُمَّ ادَّعَى الرُّجُوعَ قَبْلَ الْبَيْعِ فَوَجْهَانِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَم الْبَيْعِ، وَعَدَمُ الرُّجُوعِ، وَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُ الْمُرْتَهِنِ.

وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ: هَلْ رَضَعَ فِي الْحَوْلَيْنِ أَمْ بَعْدَهُمَا، فَقَوْلَانِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ وَبَقَاءُ الْحَوْلَيْنِ، وَالْأَصَحُّ لَا تَحْرِيمَ:

وَلَوْ شَكَّ: هَلْ رَضَعَ خَمْسًا أَوْ أَقَلَّ، فَلَا تَحْرِيمَ قَطْعًا لِعَدَمِ مُعَارَضَةِ أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِأَصْلٍ آخَرَ.

وَمِنْهَا: بَاعَهُ عَصِيرًا وَأَقْبَضَهُ وَوَجَدَ خَمْرًا، فَقَالَ الْبَائِعُ تَخَمَّرَ عَنْدك وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ عَنْدك، فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّخَمُّرِ وَعَدَمُ قَبْضِ الصَّحِيحِ، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ تَصْدِيقَ الْبَائِع تَرْجِيحًا لِأَصْلِ اسْتِمْرَارِ الْبَيْعِ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ كَانَ رَهْنًا مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ فَجَاءَ بِمَعِيبٍ وَقَالَ: هَذَا الَّذِي قَبَضْتُهُ، وَأَنْكَرَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فَالْأَصَحُّ: تَصْدِيقُ الْمُسْلِمِ لِأَنَّ الْأَصْلَ اشْتِغَالُ ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ الْبَرَاءَةَ وَالثَّانِي يُصَدَّقُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ وَاسْتِقْرَارُ الْعَقْدِ، وَلِهَذَا يُصَدَّقُ الْبَائِعُ قَطْعًا فِيمَا لَوْ جَاءَ الْمُشْتَرِي بِمَعِيبٍ، وَقَالَ: هَذَا الْمَبِيعُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَارِضْهُ أَصْلُ اشْتِغَالِ الذِّمَّةِ، وَفَارَقَ الْمُسْلِمَ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى قَبْضِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ وَتَنَازَعَا فِي عَيْبِ الْفَسْخِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ كَالْبَيْعِ، وَفِي الذِّمَّةِ فِيهِ الْوَجْهَانِ فِي السَّلَمِ.

وَمِنْهَا: لَوْ رَأَى الْمَبِيعَ قَبْلَ الْعَقْدِ، ثُمَّ قَالَ الْبَائِعُ: هُوَ بِحَالِهِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ تَغَيَّرَ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا يُصَدَّقُ الْبَائِعُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ، وَالْأَصَحُّ الْمُشْتَرِيَ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الِاطِّلَاعَ عَلَى الْمَبِيعِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ ذَلِكَ.

وَمِنْهَا: إذَا سَلَّمَ الدَّارَ الْمُسْتَأْجَرَةَ ثُمَّ ادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهَا غُصِبَتْ، فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُكْرِي ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغَصْبِ وَوَجْهُ الْآخَرِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ، لَكِنْ اعْتَضَدَ

71

الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ بَقِيَ الْأَصْلُ: وُجُوبُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مَا يُسْقِطُهَا.

وَمِنْهَا: لَوْ أَعْطَاهُ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ فَخَاطَهُ قَبَاءً وَقَالَ: أَمَرْتنِي بِقَطْعِهِ قَبَاءً، فَقَالَ: بَلْ قَمِيصًا فَالْأَظْهَرُ تَصْدِيقُ الْمَالِكِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ، وَالثَّانِي الْمُسْتَأْجِرُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ إذْنَهُ.

وَمِنْهَا: قَدَّ مَلْفُوفًا وَزَعَمَ مَوْتَهُ، فَفِي قَوْلٍ يُصَدَّقُ الْقَادُّ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَالْأَصَحُّ يُصَدَّقُ الْوَلِيِّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ.

وَمِنْهَا: لَوْ زَعَمَ الْوَلِيُّ سِرَايَةً وَالْجَانِي سَبَبًا آخَرَ، فَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُ الْوَلِيِّ لِأَنَّ الْأَصْلِ عَدَمُ السَّبَبِ.

وَالثَّانِي الْجَانِي لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.

وَلَوْ عَكَسَ بِأَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَزَعَمَ الْوَلِيُّ سَبَبًا آخَرَ، وَالْجَانِي سِرَايَةً فَالْأَصَحّ تَصْدِيقُ الْوَلِيِّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الدِّيَتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ، وَالثَّانِي: الْجَانِي، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ وَمَاتَ قَبْلَ الْعَوْدِ فَقِيلَ: يَجِبُ الْأَرْشُ ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْعَوْدِ، وَالْأَصَحُّ: لَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَعَادَتْ.

وَمِنْهَا: ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ التَّفْوِيضَ وَالْآخَرُ التَّسْمِيَةَ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّسْمِيَةِ مِنْ جَانِبٍ وَعَدَمُ التَّفْوِيضِ مِنْ جَانِبٍ، كَذَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ. قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَمْ يُبَيَّنْ فِيهِ الْحُكْمُ وَكَأَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي عَقْدَيْنِ فَإِنَّ كُلًّا يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الْآخَرِ.

وَمِنْهَا: إذَا قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا، فَفِي كَوْنِهِ مُقِرًّا بِهِ خِلَافٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الِاسْتِمْرَارُ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ.

وَمِنْهَا: اطَّلَعْنَا عَلَى كَافِرٍ فِي دَارِنَا فَقَالَ: دَخَلْت بِأَمَانِ مُسْلِم، فَفِي مُطَالَبَتِهِ بِالْبَيِّنَةِ وَجْهَانِ لِأَنَّ الْأَصْلِ عَدَمُ الْأَمَانِ، وَيَعْضُدُهُ: أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَنْ يَسْتَأْمِنُ الِاسْتِئْنَاسَ بِالْإِشْهَادِ، وَالْأَصْلُ حَقْنُ الدِّمَاءِ، وَيَعْضُدُهُ: أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُقْدِمُ عَلَى هَذَا إلَّا بِأَمَانٍ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ.

وَمِنْهَا: لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فَادَّعَى الْإِكْرَاه، فَلْيُجَدِّدْ الْإِسْلَامَ فَإِنْ قَتَلَهُ مُبَادِرًا قَبْلَ التَّجْدِيدِ، فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ. قَالَ فِي الْوَسِيطِ: مَأْخُوذَانِ مِنْ تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ: عَدَمِ الْإِكْرَاهِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.

وَمِنْهَا: طَارَ طَائِرٌ فَقَالَ، إنْ لَمْ أَصِدْ هَذَا الطَّائِرَ الْيَوْم فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ اصْطَادَ ذَلِكَ الْيَوْمَ طَائِرًا وَجَهِلَ: هَلْ هُوَ ذَلِكَ أَوْ غَيْرُهُ، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ تَرَدُّدٌ لِتَعَارُضِ أَصْلَيْنِ: بَقَاءِ النِّكَاحِ، وَعَدَمِ اصْطِيَادِهِ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ مِنْ زَوَائِدِهِ عَدَم الْوُقُوع. وَمِنْهَا: زَادَ الْمُقْتَصُّ فِي الْمُوضِحَةِ وَقَالَ: حَصَلَتْ الزِّيَادَة بِاضْطِرَابِ الْجَانِي وَأَنْكَرَ

72

فَفِي الْمُصَدَّق وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ بِلَا تَرْجِيحٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَعَدَمُ الِاضْطِرَابِ: قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِتَصْدِيقِ الْمَشْجُوجِ، يَعْنِي وَهُوَ الْمُقْتَصُّ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي حَقِّهِ أَصْلَانِ: بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَعَدَمُ الِارْتِعَاشِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْآخَرَ إلَّا أَصْلٌ وَاحِدٌ، بَلْ وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ مَنْ مَسَّهُ آلَةُ الْقِصَاصِ يَتَحَرَّكُ بِالطَّبْعِ.

وَمِنْهَا: ضَرَبَهَا الزَّوْجُ وَادَّعَى نُشُوزهَا، وَادَّعَتْ هِيَ أَنَّ الضَّرْب ظُلْمٌ، فَقَدْ تَعَارَضَ أَصْلَانِ: عَدَمُ ظُلْمِهِ، وَعَدَمُ نُشُوزِهَا، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا. قَالَ: وَاَلَّذِي يَقْوَى فِي ظَنِّيّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الشَّارِعِ جَعَلَهُ وَلِيًّا فِي ذَلِكَ.

تَذْنِيب: تَعَارُضُ الظَّاهِرَيْنِ

لَهُمْ أَيْضًا تَعَارُضُ الظَّاهِرَيْنِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: إذَا أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ وَصَدَّقَهَا الْمُقَرُّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَالْجَدِيدُ قَبُولُ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُمَا فِيمَا تَصَادَقَا عَلَيْهِ، وَالْقَدِيمُ إنْ كَانَا بَلَدِيَّيْنِ طُولِبَا بِالْبَيِّنَةِ، لِمُعَارَضَةِ هَذَا الظَّاهِرِ بِظَاهِرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْبَلَدِيَّيْنِ يُعْرَفُ حَالُهُمَا غَالِبًا، وَيَسْهُلُ عَلَيْهِمَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ.

فَوَائِدُ عَلَى قَاعِدَةِ الْيَقِينُ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ

فَوَائِدُ نَخْتِمُ بِهَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةُ

الْأُولَى:

قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ لَا يُزَالُ حُكْمُ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ إلَّا فِي إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: إحْدَاهَا: شَكَّ مَاسِحُ الْخُفِّ هَلْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ أَمْ لَا؟ الثَّانِيَة: شَكَّ هَلْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ، وَيُحْكَمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. الثَّالِثَةُ: إذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ خَلْفَ مَنْ لَا يَدْرِي: أَمُسَافِرُ هُوَ، أَمْ مُقِيمٌ؟ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ.

الرَّابِعَةُ: بَال حَيَوَانٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا وَلَمْ يَدْرِ، أَتَغَيَّر بِالْبَوْلِ أَمْ بِغَيْرِهِ فَهُوَ نَجَسٌ.

الْخَامِسَةُ: الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَة، يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، يُشَكُّ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ قَبْلَهَا.

السَّادِسَةُ: مَنْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ وَجَهِلَ مَوْضِعَهَا يَجِبُ غَسْلُهُ كُلُّهُ. السَّابِعَةُ: شَكَّ مُسَافِرٌ أَوَصَلَ بَلَدَهُ أَمْ لَا؟ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ. الثَّامِنَةُ: شَكَّ مُسَافِرٌ هَلْ نَوَى الْإِقَامَةَ أَمْ لَا؟ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ التَّاسِعَةُ: الْمُسْتَحَاضَةُ وَسَلِسُ الْبَوْلِ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ شَكَّ: هَلْ انْقَطَعَ حَدَثُهُ أَمْ لَا؟ فَصَلَّى بِطَهَارَتِهِ لَمْ تَصِحّ صَلَاتُهُ

73

الْعَاشِرَةُ: تَيَمَّمَ، ثُمَّ رَأَى شَيْئًا لَا يَدْرِي: أَسْرَابٌ هُوَ، أَمْ مَاءٌ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ بَانَ سَرَابًا الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ، رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ، ثُمَّ غَابَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا، وَشَكَّ هَلْ أَصَابَتْهُ رَمْيَةٌ أُخْرَى مِنْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلّ أَكْلُهُ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبًا.

هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاصِّ وَقَدْ نَازَعَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ فِي اسْتِثْنَائِهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْيَقِينَ فِيهَا بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا عَمِلَ فِيهَا بِالْأَصْلِ الَّذِي لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ الْعُدُولِ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَة غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ.

وَشَرْطُ الْمَسْحِ: بَقَاءُ الْمُدَّةِ وَشَكَكْنَا فِيهِ، فَعَمِلَ بِأَصْلِ الْغَسْلِ، وَفِي الثَّالِثَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالثَّامِنَةِ الْقَصْرُ رُخْصَةٌ بِشَرْطٍ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الْإِتْمَامُ ; وَفِي الْخَامِسَةِ الْأَصْلُ وُجُوبُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا شَكَّتْ فِي الِانْقِطَاعِ فَصَلَّتْ بِلَا غُسْلٍ، لَمْ تُتَيَقَّنْ الْبَرَاءَةُ مِنْهَا.

وَفِي السَّادِسَةِ: الْأَصْلُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا بِطَهَارَةٍ عَنْ هَذِهِ النَّجَاسَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَغْسِلْ الْجَمِيعَ فَهُوَ شَاكٌّ فِي زَوَالِ مَنْعِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَفِي الْعَاشِرَةِ: إنَّمَا بَطَلَ التَّيَمُّمُ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ الطَّلَبُ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ فِي حِلّ الصَّيْدِ قَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا لَا يَحِلُّ فَلَيْسَ تَرْكَ يَقِينٍ بِشَكٍّ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، وَقَدْ شَكَكْنَا فِي الْإِبَاحَةِ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ فِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ فِي أَكْثَر هَذِهِ الْمَسَائِل مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ.

قَالَ: وَقَدْ اسْتَثْنَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا وَالْغَزَالِيُّ مَا إذَا شَكَّ النَّاسُ فِي انْقِضَاءِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ الْوَقْتِ.

قَالَ: وَمِمَّا يُسْتَثْنَى: إذَا تَوَضَّأَ وَشَكَّ، هَلْ مَسَحَ رَأْسَهُ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ صِحَّةُ وُضُوئِهِ، وَلَا يُقَالُ الْأَصْلُ عَدَمُ الْمَسْحِ.

وَمِثْلُهُ لَوْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَشَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ ، وَالْأَظْهَر أَنَّ صَلَاتَهُ مَضَتْ عَلَى الصِّحَّةِ.

قَالَ: فَإِنْ تَكَلَّفَ مُتَكَلِّفٌ، وَقَالَ: الْمَسْأَلَتَانِ دَاخِلَتَانِ فِي الْقَاعِدَةِ، فَإِنَّهُ شَكَّ هَلْ تَرَكَ أَوْ لَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ التَّرْكَ عَدَمُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمَشْكُوكُ فِيهِ الْفِعْلُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِالْأَصْلِ.

قَالَ: وَأَمَّا إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ فَرَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً، وَاحْتَمَلَ وُقُوعُهَا فِي الصَّلَاةِ وَحُدُوثُهَا بَعْدَهَا، فَلَا تَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بَلْ مَضَتْ عَلَى الصِّحَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ عَدَمُ النَّجَاسَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهَا لِدُخُولِهَا فِي الْقَاعِدَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تَحَقَّقَ النَّجَاسَةُ وَشَكَّ فِي انْعِقَادِ الصَّلَاةِ ; وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَبَقَاؤُهَا فِي الذِّمَّةِ، فَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهَا. انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ،

74

وَزَادَ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي نَظَائِرِهِ صُوَرًا أُخْرَى:

مِنْهَا: إذَا جَاءَ مِنْ قُدَّامِ الْإِمَامِ وَاقْتَدَى بِهِ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ؟ ، فَالصَّحِيحُ فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ.

فَهَذَا تَرْكُ أَصْلٍ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، وَلِذَلِكَ رَجَّحَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مُقَابِلَهُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ، وَلَوْ كَانَ جَاءَ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ صَحَّتْ، قَطْعًا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَقْدِيمِهِ.

وَفِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَوْ صَلَّى وَشَكَّ، هَلْ تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ لَا؟ ، لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الصِّحَّةَ فِي التَّقْدِيمِ أَكْثَرُ وُقُوعًا، فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي صُورَتَيْنِ: التَّأْخِيرِ وَالْمُسَاوَاةِ، وَتَبْطُلُ فِي التَّقَدُّمِ خَاصَّةً، وَالصِّحَّةُ فِي التَّكْبِيرِ أَقَلُّ وُقُوعًا، فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِالْمُقَارَنَةِ وَالتَّقَدُّمِ، وَتَصِحُّ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ التَّأَخُّرُ.

وَمِنْهَا: مَنْ لَهُ كَفَّانِ عَامِلَتَانِ أَوْ غَيْرُ عَامِلَتَيْنِ، فَبِأَيِّهِمَا مَسَّ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ مَعَ الشَّكِّ فِي أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ أَوْ زَائِدَةٌ، وَالزَّائِدَةُ لَا تَنْقُضُ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَامِلَةٌ فَقَطْ انْتَقَضَ بِهَا وَحْدَهَا عَلَى الصَّحِيحِ.

وَمِنْهَا: إذَا ادَّعَى الْغَاصِبُ تَلَفَ الْمَغْصُوبِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِلَّا لَتَخَلَّدَ الْحَبْسُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ صَادِقًا وَعَجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ، وَالثَّانِي يُصَدَّقُ الْمَالِكُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ. وَزَادَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ صُوَرًا أُخْرَى.

مِنْهَا: مَسْأَلَةُ الْهِرَّةِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ نَجَاسَةُ فَمِهَا، فَتُرِكَ ; لِاحْتِمَالِ وُلُوغِهَا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَهُوَ شَكٌّ.

وَمِنْهَا: مَنْ رَأَى مَنِيًّا فِي ثَوْبِهِ أَوْ فِرَاشِهِ الَّذِي لَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا، لَزِمَهُ الْغُسْلُ فِي الْأَصَحِّ، مَعَ أَنَّ الْأَصْل عَدَمه.

وَمِنْهَا: مَنْ شَكَّ بَعْدَ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ الْكَفَّارَةِ، هَلْ نَوَى؟ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ.

وَمِنْهَا: مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ شَكَّ فِي قَضَائِهَا لَا يَلْزَمُهُ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ.

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: الشَّكُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ، شَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلِ حَرَامٍ، وَشَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ، وَشَكٌّ لَا يُعْرَفُ أَصْلُهُ

فَالْأَوَّلُ: مِثْلُ أَنْ يَجِدَ شَاةً فِي بَلَدٍ فِيهَا مُسْلِمُونَ وَمَجُوسٌ فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا ذَكَاةُ مُسْلِمٍ لِأَنَّهَا أَصْلَهَا حَرَامٌ، وَشَكَكْنَا فِي الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ، فَلَوْ كَانَ الْغَالِبَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ جَازَ الْأَكْلُ عَمَلًا بِالْغَالِبِ الْمُفِيدِ لِلظُّهُورِ.

75

وَالثَّانِي: أَنْ يَجِد مَاءً مُتَغَيِّرًا، وَاحْتَمَلَ تَغَيُّرُهُ بِنَجَاسَةٍ، أَوْ بِطُولِ الْمُكْثِ يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ عَمَلًا بِالْغَالِبِ عَمَلًا بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ.

وَالثَّالِثُ: مِثْلُ مُعَامَلَةِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ وَلَمْ يُتَحَقَّقْ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ مَالِهِ عَيْنَ الْحَرَامِ فَلَا تَحْرُمُ مُبَايَعَتُهُ لِإِمْكَانِ الْحَلَالِ وَعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّحْرِيمِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ. انْتَهَى.

الثَّالِثَةُ: قَالَ النَّوَوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ أَصْحَابنَا بِالشَّكِّ فِي الْمَاءِ وَالْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهَا: هُوَ التَّرَدُّدُ بَيْن وُجُودِ الشَّيْءِ وَعَدَمِهِ، سَوَاءُ كَانَ الطَّرَفَانِ فِي التَّرَدُّدِ سَوَاءً أَوْ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا فَهَذَا مَعْنَاهُ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ وَكُتُبِ الْفِقْهِ.

أَمَّا أَصْحَابُ الْأُصُولِ: فَإِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْن ذَلِكَ وَقَالُوا: التَّرَدُّدُ إنْ كَانَ عَلَى السَّوَاءِ فَهُوَ شَكُّ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ.

وَوَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ: أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنهمَا فِي الْحَدَثِ فَقَالَ: إنَّهُ يُرْفَع بِظَنِّ الطُّهْرِ، لَا بِالشَّكِّ فِيهِ وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَقِيلَ: إنَّهُ غَلَطٌ مَعْدُودٌ مِنْ أَفْرَادِهِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَفِي الشَّامِلِ إنَّمَا قُلْنَا بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ خُرُوجُ الْحَدَثِ فَصَدَقَ أَنْ يُقَالَ: رَفَعْنَا يَقِينَ الطَّهَارَةِ بِظَنِّ الْحَدَثِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ فَكَأَنَّ الرَّافِعِيَّ أَرَادَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فَانْعَكَسَ عَلَيْهِ وَلِمُجْلِي احْتِمَال فِيمَا إذَا ظَنَّ الْحَدَثَ بِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلَيْ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَا زَعَمَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْن الْمُسَاوِي وَالرَّاجِحِ يَرُدّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.

مِنْهَا: فِي الْإِيلَاءِ لَوْ قُيِّدَ بِمُسْتَبْعَدِ الْحُصُولِ فِي الْأَرْبَعَةِ، كَنُزُولِ عِيسَى فَمُؤَوَّلٌ، وَإِنْ ظَنَّ حُصُولَهُ قَبْلَهَا فَلَا، وَإِنْ شَكَّ فَوَجْهَانِ.

وَمِنْهَا: شَكَّ فِي الْمَذْبُوح، هَلْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، حُرِّمَ لِلشَّكِّ فِي الْمُبِيحِ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَقَاؤُهَا حَلَّ.

وَمِنْهَا: فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الرِّضَا جَازَ، وَإِنْ شَكَّ فَلَا.

وَمِنْهَا: وُجُوبَ رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي الْحَجِّ إذَا غَلَبَتْ السَّلَامَةُ وَإِنْ شَكَّ فَلَا.

وَمِنْهَا: الْمَرَضُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مَخُوفًا، نَفَذَ التَّصَرُّفُ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَخُوفًا لَمْ يَنْفُذْ إلَّا بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.

وَمِنْهَا: قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَاب الِاعْتِكَافِ: قَوْلُهُمْ " لَا يَقَع الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ " مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِب انْتَهَى.

76

وَيَشْهَدُ لَهُ لَوْ قَالَ: إنْ كُنْتِ حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ مِنْ وَقْتِ التَّعْلِيقِ وَقَعَ الطَّلَاقُ، مَعَ أَنَّ الْأَقْرَاءَ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَلِهَذَا أَيَّدَ الْإِمَامُ احْتِمَالًا بِعَدَمِ الْوُقُوعِ.

الرَّابِعَةُ يُعَبَّرُ عَنْ الْأَصْلِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ بِالِاسْتِصْحَابِ، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ الْمَاضِي فِي الْحَاضِرِ وَأَمَّا اسْتِصْحَابُ الْحَاضِرِ فِي الْمَاضِي فَهُوَ الِاسْتِصْحَابُ الْمَقْلُوبُ.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: وَلَمْ يَقُلْ بِهِ الْأَصْحَابُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَادَّعَاهُ مُدَّعٍ وَانْتَزَعَهُ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ، فَإِنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى ثُبُوتِ الرُّجُوعِ لَهُ عَلَى الْبَائِع، بَلْ لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي أَوْ وَهَبَ، وَانْتُزِعَ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَانَ لَلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الرُّجُوعُ أَيْضًا، فَهَذَا اسْتِصْحَابُ الْحَالِ فِي الْمَاضِي فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُنْشِئُ الْمِلْكَ وَلَكِنْ تُظْهِرُهُ، وَالْمِلْكُ سَابِقٌ عَلَى إقَامَتِهَا، لَا بُدّ مِنْ تَقْدِيرِ زَمَانٍ لَطِيفٍ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ انْتِقَالُ الْمِلْكِ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَى الْمُدَّعِي وَلَكِنَّهُمْ اسْتَصْحَبُوا مَقْلُوبًا، وَهُوَ عَدَمُ الِانْتِقَالِ عَنْهُ فِيمَا مَضَى.

قَالَ ابْنُهُ تَاجُ الدِّينِ: وَقِيلَ بِهِ أَيْضًا عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ فِيمَا إذَا وَجَدْنَا رِكَازًا، وَلَمْ نَدْرِ هَلْ هُوَ جَاهِلِيٌّ أَوْ إسْلَامِيٌّ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ جَاهِلِيٌّ وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ بَاقِيًا، وَهُوَ أَعْوَرُ مَثَلًا فَقَالَ الْغَاصِبُ: هَكَذَا غَصَبْتُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ فَهَذَا اسْتِصْحَابٌ مَقْلُوبٌ.

وَنَظِيرُهُ لَوْ قَالَ الْمَالِكُ: كَانَ طَعَامِي جَدِيدًا، وَقَالَ الْغَاصِبُ عَتِيقًا فَالْمُصَدَّقُ الْغَاصِبُ.