بيئة الدراسة
لكل وحدة: مخططات، ومصطلحات، وخلاصات، وخبايا الزوايا، وقواعد، ومسائل الخلاف، ومراجعة، واختبار.
مقدمة#
- القرآن - كما قال السلف - ثلاثة أقسام: توحيد وتذكير وأحكام. فالتوحيد معرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله. والتذكير، ومنه الوعد والوعيد، والجنة والنار، وتصفية الظاهر والباطن. والأحكام، ومنها التكاليف كلها، وتبيين المنافع والمضار، والأمر والنهي والندب».
- القرآن جاء بجانب التوحيد والتذكير بالأحكام الفقهية التي تتعلق بمصالح العباد في الدنيا وآخراهم.
- ولذلك ألّف كثير من العلماء على اختلاف مذاهبهم في التفسير الفقهي.
- من جملة هؤلاء العلماء القاضي أبو بكر ابن العربي الأندلسي الإشبيلي.
- يُعتبر هذا الكتاب من أهم المصنفات التي دُوّنت في التفسير الفقهي، في المذهب المالكي.
- منهجنا في دراسة هذا الكتاب عرض كلام المؤلف ودراسته دراسة نقدية.
- المؤلف: القاضي أبو بكر ابن العربي الأندلسي الإشبيلي، من كبار علماء الأندلس، ولي قضاء إشبيلية، ثم تركه بعد ذلك وأقبل على نشر العلم. توفي بالقرب من مدينة فاس سنة 543هـ وحُمل إليها ودُفن فيها.
الفاتحة#
مسألة: أقوال العلماء في قراءة المأموم الفاتحة
- لعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال:
- الأول: يقرؤها إذا أسرّ (أي الإمام) خاصة، قاله ابن القاسم
- الثاني: قال ابن وهب وأشهب: لا يقرأ.
- الثالث: قال محمد بن عبد الحكم : يقرؤها خلف الإمام، فإن لم يفعل أجزأه، كأنه رأى ذلك مستحباً.
- والصحيح عندي وجوب قراءتها فيما يُسَرّ، وتحريمها فيما جُهر إذا سمع قراءة الإمام ، لما عليه من فرض الإنصات له والاستماع لقراءته. فإن كان عنه في مقام بعيد فهو بمنزلة صلاة السر.
- قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: «لو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم للزم أحد أمرين: إما أن يقرأ مع الإمام، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ،
ولم نعلم نزاعاً بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم بالفاتحة ولا غيرها، وقراءته معه منهيٌّ عنها بالكتاب والسنة...».
- النص الخاص مقدَّم على العام .
- العام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».
- الخاص: «إذا قرأ فأنصتوا».
- ردّ الشيخ ابن عثيمين في زاد المعاد على هذا فقال: «صحيح أن هذا (إذا قرأ فأنصتوا) عامٌّ في الفاتحة وغيرها، أن المأموم إذا قرأ الإمام فإنه ينصت، ولكن هذا العموم مقيَّد بعموم (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)».
- استشهد الشيخ لتقوية هذا القول بحديث أنه لما ثقلت القراءة على النبي عليه الصلاة والسلام لأن بعض المأمومين كانوا يقرؤون خلفه قال لهم: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب».
- رواه أحمد، وهو ممن ضعّفه، وممن ضعّفه أيضاً الشيخ الألباني، وتكلم أيضاً ابن معين (يحيى بن معين) في أحد رواته فقال: ليس بحجة.
- تعارض عام مع عام :
- إن أمكن الجمع بين الدليلين فهو الأولى.
- إن لم يمكن فلننظر إلى المتقدم والمتأخر، فيكون المتأخر هو المقيِّد للمتقدم أو ناسخاً له.
- إذا تعذّر الجمع والترجيح فينظر إلى التاريخ ويُعمل بقضية النسخ.
- وإلا فالتوقف في المسألة أو يُرجع إلى غيرهما.
- مسألة: تأمين المصلي (سورة الفاتحة)
- لا يخلو أن يكون إماماً أو مأموماً أو منفرداً.
- أما المنفرد فإنه يؤمّن اتفاقاً.
- أما المأموم فإنه يؤمّن في صلاة السرّ لنفسه إذا أكمل قراءته، وفي صلاة الجهر إذا أكمل القراءة إمامُه يؤمّن.
- أما الإمام فقال مالك: ومعنى قوله عنده «إذا أمّن الإمام فأمّنوا» أي إذا بلغ مكان التأمين.
- فإذا أمّن الإمام فإن الشافعي قال: يؤمّن المأموم جهراً، وأبو حنيفة وابن حبيب (المالكي) يقولان: يؤمّن سرّاً.
- قال الشافعي عن (إذا أمّن الإمام): «فيه دلالة على أنه أمَرَ الإمام أن يجهر بآمين، لأن من خلفه لا يعرفون وقت تأمينه إلا بأن يسمع تأمينه».
- اعتماداً على الحديث السابق يقول بعد الإمام، لأن «الفاء» حرف عطف يفيد الترتيب.
مع التعقيب، ولكن جاء عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، فإنه من وافق قولُه قولَ الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه».
البقرة: مسألة: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ آية 29#
- قال ابن العربي: قال علماؤنا: هذه السورة من أعظم سور القرآن. سمعتُ بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر. ولعظيم فقهها أقام عبد الله بن عمر ثماني سنين في تعلّمها.
- قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾.
- الناس اختلفوا في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
- الآية فيها دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان (Begunstiging).
- ردّ ابن العربي وذكر أيضاً أن «خلق لكم ما في الأرض» ليس معناها الانتفاع، ولكن الدلالة والاعتبار (overpeinzing)، يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب
العبر: الإحياء والإماتة والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتها.
- - أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق السماوات والأرض، لا تبعد منه القدرة على الإعادة.
- الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم عند الجمهور، وعند أبي حنيفة: الأصل فيها التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة.
- من الأدلة على ذلك: «ما أحلّ الله فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً» البزار والطبراني والبيهقي.
- ﴿قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرّماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أُهلّ لغير الله به﴾ الأنعام.
الآية 27: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ الآية 27#
- العهد على قسمين: أحدهما فيه الكفارة، والآخر لا كفارة فيه.
- وأما مالك فيقول: العهد باليمين لم يحرم حلّه لأجل العقد، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً﴾ (الأيمان المراد بها في الآية الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي ترد في الحث والمنع، يعقد بها على اسم الله [؟]) - قرر العلماء أن من عاهد الله ثم نقض عهده فقد ارتكب معصية كبيرة.
- - سبب الحلف -
- فائدة: من نذر نذراً وهو قادر عليه فلا بد أن يأتي به، ولا يمكنه التخلص منه، ولذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه. أما إذا عجز عن الإتيان به عجزاً أبدياً فهذا الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «كفارة النذر كفارة اليمين».
- إذا خرج النذر مخرج اليمين، بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئاً أو يحثّ به على شيء، مثل أن يقول: إن كلّمتُ زيداً فلله عليّ الحج أو صدقة مالي أو صوم سنة، فهذا يمين حكمه أنه مخيّر بين الوفاء به وبين أن يحنث ويأتي بكفارة يمين» المغني.
الآية الرابعة عشرة: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾#
- المسألة الثانية: في الحديث عن بني إسرائيل. الآية 67
- ومعنى هذا الحديث عنهم بما يخبرون به عن أنفسهم وقصصهم، لا بما يخبرون به عن غيرهم، لأن أخبارهم عن غيرهم مفتقرة إلى العدالة والثبوت إلى منتهى الخبر، وما يخبرون به عن أنفسهم فيكون من باب إقرار المرء على نفسه أو قومه، فهو أعلم بذلك.
- وإذا أخبروا عن شرع لم يلزم قبوله، ففي رواية مالك عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أمسك مصحفاً قد تشرّمت حواشيه، فقال: ما هذا؟ قلتُ: جزء من التوراة، فغضب وقال: والله لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلا اتباعي».
- هذا فيما لم يأت مقرَّراً في كتابنا أو في سنتنا، وإلا فهو من قبيل «شرع من قبلنا».
- في ذلك خمسة أقوال:
- ① أنه شرع لنا ولنبيّنا (أي النبي عليه الصلاة والسلام)، لأنه كان متعبَّداً بالشريعة معنا (كبش أضحيته في الأضحية).
- ② أن التعبد وقع بشرع إبراهيم .
- ③ أنا تُعُبّدنا بشرع موسى عليه السلام.
- ④ أنا تُعُبّدنا بشرع عيسى عليه السلام.
- ⑤ أنا لم نُتعبَّد بشرع أحد.
- اختار ابن العربي القول الأول فقال: «... وبيّنّا أن الصحيح القول بلزوم شرع من قبلنا لنا مما أخبرنا به نبيّنا صلى الله عليه وسلم عنهم، دون ما وصل إلينا من غيره لفساد الطرق إليهم، وهو صريح مذهب مالك في أصوله. » الأنعام: 90.
- القول الخامس أقوى والله أعلم للأدلة التي مرّت معنا، ولإجماع الأمة على أن شريعة محمد عليه الصلاة والسلام «ناسخة» للشريعة من تقدّم، وأيضاً لأنها في نفسها كاملة وصالحة لكل زمان ومكان، فلا تحتاج إلى إدخال شيء عليها من الخارج.
- ذكر ابن العربي كلاماً للجويني في سياق الردّ عليه، ولكنه قوي جداً: «إن نبيّنا لم يُسمع قطّ أنه رجع إلى أحد منهم، ولا باحثهم عن حكم، ولا استفهمهم، فإن ذلك لفساد ما عندهم».
الآية 102 قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ الآية 102#
- المسألة السادسة: فإن قيل: وكيف نزل الكفر على الملكين وهم يفعلون ما يؤمرون، ويسبّحون الليل والنهار لا يفترون، فأنّى يصح أن يتكلموا بالكفر ويعلّموه؟ قلنا: هذا الذي أشكل على بعضهم حتى رُوي عن الحسن أنه قرأ «المَلِكَين» بكسر اللام (...) وكل ما ورد من أمر الملكين لم يصح سنده. وتبسّط ابن العربي الكلام وتوسّع في ذكر كلام العلماء في شأن الملكين، وكيف أنهم مارسوا هذه المعصية وعلّموا الناس إياها.
- أما قراءة «المَلِكَين» بكسر اللام فهي قراءة شاذة وليست من القراءات العشر.
- الصحيح أنهما من الملكين، أنزلهما الله عز وجل إلى الأرض فتنةً للناس وامتحاناً، وأنهما كانا يعلّمان الناس السحر بأمر من الله.
- قال ابن عطية في تفسيره: «وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنةً للناس، ليكفر من اتّبعه ويؤمن من تركه، أو على قول مجاهد وغيره: إن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يُفرَّق به بين المرء وزوجه دون السحر، أو على القول: إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه».
- الآية الآية 114
- المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ [مسألة دخول الكافر المسجد] الآية 114
- يعني إذا استولى عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها، يعني إن دخلوها فعلى خوف من إخراج المسلمين لهم منها وأذيّتهم على دخولها. وهذا يدل على أنه ليس للكافر دخول المسجد بحال.
- سياق الآية: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾، قال الإمام السعدي: «فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش حين صدّوا رسول الله عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس، وغيرهم من أنواع الظلمة الساعين في خرابها محادّةً لله ومشاقّة، فجازاهم الله بأن منعهم دخولها شرعاً وقدراً إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله أخافهم الله. فالمشركون الذين صدّوا رسوله لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً حتى أذن الله له في فتح مكة ومنع المشركين من قربان بيته (...) وهكذا كل من اتصف بوصفهم فلا بد أن يناله قسطه...».
- القول الراجح: دخول الكافر جميع المساجد إلا المسجد الحرام إذا دعت الحاجة لذلك أو كان في دخوله مصلحة، كدعوته إلى الإسلام، لحديث ثمامة بن أثال الذي ربطه النبي عليه الصلاة والسلام في سارية المسجد، ولقوله عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن»، والخطاب هنا موجَّه إلى مشركي قريش.
المسألة الثامنة عشرة قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ الآية 115#
- مسألة نفي الجهة والمكان عنه تعالى.
- قوله تعالى: ﴿فثمّ وجه الله﴾ قيل معناه: فثَمّ الله، هذا يدل على نفي الجهة والمكان عنه تعالى لاستحالة ذلك عليه، وأنه في كل مكان بعلمه وقدرته.
- وقيل: معناه فثَمّ قبلة الله، ويكون الوجه اسماً للتوجّه.
- وقيل له: إن الله سبحانه قِبَل وجهك، معناه أنك قصدتَ التوجه إلى الله تعالى (...).
- الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى.
- مذهب السلف أن الوجه صفة ثابتة لله، ورد بها السمع، فتُتلقّى بالقبول، ويَبطل مذهب أهل التأويل. ما قاله البيهقي والخطابي في قوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال﴾: «فأضاف الوجه إلى الذات (الإلهية)، وأضاف النعت إلى الوجه فقال: ﴿ذو الجلال﴾ (الرحمن ٢٧)، ولو كان ذِكر الوجه صلة ولم يكن صفة للذات لقال: ذي الجلال، فلما قال: ﴿ذو الجلال﴾ علمنا أنه نعت للوجه».
- هذا ما كان عليه سلف هذه الأمة، ولذلك كان شيخ الإسلام على يقين أن ما خطّه في العقيدة الواسطية هي عقيدة السلف، وقال بكل قوة وحزم: «قد أمهلتُ كلّ من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا راجع عنه».
- قال ابن خزيمة بعد أن أورد جملة من الآيات المثبتة لصفة الوجه: «فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا: أنّا نثبت لله ما أثبته لنفسه، نُقرّ بذلك بألسنتنا، ونصدّق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبّه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عزّ ربنا أن يشبه المخلوقين، وجلّ ربنا عن مقالة المعطّلين».
- قال ابن رشد أبو الوليد الجد القرطبي، شيخ المالكية في زمنه وقاضي القضاة بقرطبة: «لا اختلاف بينهم أيضاً في جواز إطلاق القول بأن لله يدين ووجهاً وعينين، لأن الله وصف بذلك نفسه بكتابه، فوجب إطلاق القول بذلك والاعتقاد بأنها صفات ذاته من غير تكييف ولا تشبيه ولا تحديد، إذ لا يشبهه شيء من المخلوقات، هذا قول المحققين من المتكلمين. وتوقف كثير من الشيوخ على إثبات الصفات المحض وقالوا: لا يجوز أن يُثبت في صفات الله ما
لم نعلمه بضرورة العقل ولا بدليله ، وتأوّلوها على غير ظاهرها فقالوا: المراد بالوجه الذات (...)، والمراد بالعينين إدراك المرئيات، والمراد باليدين النعمتان (...). والصواب قول المحققين الذين أثبتوها صفاتٍ لذاته تعالى» (البيان والتحصيل).
﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى﴾ (البقرة: 125)#
- هو الحجر الذي جعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام رجله عند بنائه الكعبة.
- بيّن بذلك وقت الصلاة فيه وهو عقب الطواف، لأنه لما قضى النبي عليه الصلاة والسلام طوافه مشى إلى المقام وصلى فيه ركعتين (مسلم)، ففعله عليه الصلاة والسلام حدّد لنا متى تكون هذه الصلاة.
- أنه أوضح أن ركعتي الطواف واجبتان، فمن تركهما فعليه دم.
﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ البقرة: 142#
- قال ابن العربي: «قال علماؤنا: المراد بذلك اليهود، عابوا على المسلمين رجوعهم إلى الكعبة عن بيت المقدس (...)، فأعلمهم الله تعالى أن الجهات كلها له، وأن المقصود وجهه وامتثال أمره، فحيثما أمر بالتوجه إليه تُوُجّه إليه (...)».
﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ البقرة: 143#
- قال ابن العربي: «الوسط في اللغة: الخيار، وهو العدل (...)، يدل عليه قوله تعالى بعده: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾. فأنبأنا ربنا تعالى بما أنعم به علينا من تفضيله لنا باسم العدالة، وتوليته خطة الشهادة على جميع الخليقة، فجعلنا أولاً مكاناً، وإن كنا آخراً زماناً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن الآخِرون السابقون»» البخاري ومسلم.
﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ البقرة: 143#
- قال ابن العربي: «اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى البيت المقدس (...)، وقد روى أشهب عن مالك أن المراد به صلاتكم (...)، وإني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان (...)، فإن قيل: فإن كانت الصلاة من الإيمان فلِمَ قال مالك: إن تاركها غير كافر».
﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره﴾ البقرة: 144#
- قال ابن العربي: «وقد اختلف العلماء: هل فرض الغائب عن الكعبة - البعيد عنها - استقبال العين أو استقبال الجهة؟ فمنهم من قال: فرضه استقبال العين، وهذا ضعيف، لأنه تكليف لما لا يصل إليه. ومنهم من قال: الجهة، وهو الصحيح لأمور: أحدها: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف. الثاني: أنه المأمور به في القرآن، إذ قال: ﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾».
- مسامتة: مقابلة سَمْت الكعبة - أي ذاتها - بلا انحراف.
﴿ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ البقرة: 154#
- قال ابن العربي: «تعلّق بعضهم في أن الشهيد لا يُغسّل ولا يُصلّى عليه بهذه الآية، لأن الميت هو الذي يُفعل ذلك به، والشهيد حيّ، وبه قال مالك والشافعي».
﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ البقرة: 158#
- تتمة الآية: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيراً فإن الله شاكر عليم﴾.
- قال عروة ابن زبير لعائشة رضي الله عنها: «أرأيتِ قول الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، فوالله ما على أحد جناح ألا يطّوّف بهما. قالت عائشة: بئس ما قلتَ يا ابن أختي (...)، إنما كان هذا الحيّ من الأنصار قبل أن يُسلموا يُهلّون لمناة الطاغية فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرّج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾».
- لم تأت هذه الآية لإباحة ترك الطواف ولا فيه دليل عليه، وإنما جاءت لإفادة إباحة الطواف لمن كان يتحرّج منه في الجاهلية، أو لمن كان يطوف به في الجاهلية قصداً للأصنام التي كانت فيه.
- قوله تعالى: ﴿ومن تطوّع خيراً فإن الله شاكر عليم﴾ تعلّق به من ينفي ركنية السعي، كأبي حنيفة الذي يرى أنه ليس بركن في الحج والعمرة.
- والمقصود بالآية: أي من تطوّع بخير، أي زائد عن الواجب، فقمتَ بعمرة أو حج متطوّعاً فيه من ذات نفسك، مما ليس بواجب عليك، فإن الله تعالى يشكر ذلك له ويثيبه على ذلك.
﴿إنما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلّ به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾ البقرة: 173#
- قوله تعالى: (الميتة) (...) والمراد بالآيات حكماً ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل بذكاة، أو مقتولاً بغير ذكاة.
- روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أُحلّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: السمك والجراد، والدمان: الكبد والطحال» الدارقطني.
- واختلف العلماء في تخصيص ذلك، فمنهم من خصّصه في الجراد والسمك، وأجاز أكلهما من غير معالجة ولا ذكاة، قاله الشافعي وغيره.
- ومنهم من منعه في السمك وأجازه في الجراد، وهو أبو حنيفة.
- قوله تعالى: ﴿والدم﴾: اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا يُنتفع به، وقد عيّنه الله تعالى هاهنا مطلقاً، وعيّنه في سورة الأنعام مقيّداً بالمسفوح، وحمل العلماء هاهنا المطلق على المقيّد.
- قوله تعالى: ﴿ولحم خنزير﴾: اتفقت الأمة على أن لحم الخنزير حرام بجميع أجزائه، والفائدة في ذكر اللحم أنه حيوان يُذبح للقصد إلى لحمه.
- ثم اختلفوا في نجاسته، فقال جمهور العلماء: إنه نجس، وقال مالك: إنه طاهر، وكذلك كل حيوان عنده، لأن علة الطهارة عنده هي الحياة.
﴿كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين﴾ البقرة: 180#
- قال ابن العربي: «قال علماؤنا: ليس يريد حضور الموت حقيقة، لأن ذلك الوقت لا تُقبل له التوبة (...)، ولا يمكن أن تنظم من كلامها لفظة ، ولو كان الأمر محمولاً عليه لكان تكليف محال لا يُتصوّر، ولكن يرجع ذلك إلى معنيين:
- أحدهما: إذا قرب حضور الموت .
- الثاني: أن معناه إذا مرض، فإن المرض سبب الموت.
- «الوصية»:
- هنا مخصوصة بما بعد الموت، وكذلك في الإطلاق والعرف.
- قال ابن العربي: «وقد اختلف الناس في ذلك على قولين: قال بعضهم: إنها واجبة (...)، وقال آخرون: هي منسوخة (...)، والصحيح نسخها، وأنها مستحبة إلا فيما يجب على المكلّف بيانه أو الخروج بأداء عنه...».
﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أُخر﴾ البقرة: 184#
- قال الإمام ابن العربي: «للمريض ثلاثة أحوال:
- أحدها: ألا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجباً.
- الثاني: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يُستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل (...).
- الثالث: ، أنه سُئل: من أيّ المرض أُفطر؟ قال: من أيّ مرض كان، كما قال الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً﴾».
- قال ابن العربي: «الثاني (...)، فقال مالك والشافعي: أقلّ السفر يوم وليلة، وقال أبو حنيفة: أقلّه ثلاثة أيام ».
﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ البقرة: 185#
- قال ابن العربي: «وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وقد زلّ بعض المتقدمين فقال: يُعوّل على الحساب بتقدير المنازل (...)».
﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ البقرة: 187#
- قال ابن العربي: «بيّن بذلك محظورات الصيام، وهي الأكل والشرب والجماع (...)، فأما ظاهر المباشرة التي هي اتصال البشرة بالبشرة فاختلف فيها على أربعة أقوال: الأول: أنها حرام. الثاني: أنها مباحة. الثالث: أنها مكروهة. الرابع: أنها مقسّمة بين من يخاف على نفسه التعرّض لفساد الصوم، وبين من يأمن ذلك على نفسه. وتحقيق القول فيها: أنها سبب وداعية إلى الجماع، وذريعة داعية إليه، فيختلف في حكمها كاختلافهم في تحريم الذرائع التي تدعو إلى المحظورات (...)، فأما علماء المالكية فاعتبروا حال الرجل، وخوفه على صومه وأمنه عليه من نفسه. وقد ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبّل أزواجه عائشة وغيرها وهو صائم ، ويأمر بالإجمال بذلك، لكن النبي كان أملكنا لإربه (...)، ونحن نضبط بحول الله تعالى: أما إن أفضى
التقبيل والمباشرة إلى المذي فلا شيء فيه، لأن قصاراه في الطهارة الصغرى ، وأما إن خيف إفضاؤه إلى المني فذلك الممنوع، والله أعلم».
﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ البقرة: 187#
- قال ابن العربي: «إن قيل: كيف يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: «الخيط الأبيض» الفجر، ويتأخر البيان مع الحاجة إليه؟ وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه مع بقاء التكليف حتى يقع الخطأ عن المقصود لا يجوز . فالجواب: أن البيان كان موجوداً فيه ، لكن على وجه لا يدركه جميع الناس، وإنما كان على وجه يختص به بعضهم أو أكثرهم، وليس يلزم أن يكون البيان مكشوفاً في درجة يطّلع عليها كل واحد، ألا ترى أنه لم يقع فيه إلا عديّ وحده ، وأيضاً فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعنّف عديّاً، وأنزل الله تعالى البيان جليّاً».
- قال ابن العربي: «إذا جوّزنا له الوطء قبل الفجر، ففي ذلك دليل على جواز طلوع الفجر عليه وهو جُنب، وذلك جائز إجماعاً...».
﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ البقرة: 187#
- قال ابن العربي: «الاعتكاف في اللغة هو اللبث، وهو غير مقدَّر عند الشافعي
وأقلّه لحظة، ولا حدّ لأكثره، وقال مالك وأبو حنيفة: هو مقدَّر بيوم وليلة، لأن الصوم عندهما من شرطه. قال علماؤنا: لأن الله تعالى خاطب الصائمين (...)، وأما تقديره بيوم وليلة لأن الصوم من شرطه فضعيف، فإن العبادة لا تكون مقدَّرة بشرطها ، ألا ترى أن الطهارة شرط في الصلاة، وتنقضي الصلاة وتبقى الطهارة (...). وكان شيخنا فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي إذا دخلنا معه مسجداً (...) لإقامة ساعة يقول: انووا الاعتكاف تربحوه».
- قال ابن العربي: «مذهب مالك الصريح الذي لا مذهب له سواه : جواز الاعتكاف في كل مسجد، لأنه تعالى قال: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، فعمّ المساجد كلها...».
﴿يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ البقرة: 189#
- في سبب نزول هذه الآية أن أناساً سألوا عن زيادة الأهلّة ونقصانها، فنزلت هذه الآية.
- قوله تعالى: ﴿قل هي مواقيت للناس﴾، قال ابن العربي: «يعني في صومهم وإفطارهم وآجالهم (termijnen / afspraken)، وفي تصرّفاتهم، ومنافع كثيرة لهم».
- قال ابن العربي: «﴿والحج﴾: ما فائدة تخصيص الحج مع دخوله في عموم
اللفظ الأول؟ وهي أن العرب كانت تحجّ بالعدد (Berekening)، وتبدّل الشهور، فأبطل الله تعالى فعلهم وقولهم، وجعله مقروناً بالرؤية».
﴿وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ البقرة: 189#
﴿وأتمّوا الحج والعمرة لله﴾ البقرة: 196#
- قال ابن العربي: «اختلف العلماء في وجوب العمرة، فقال الشافعي: هي واجبة، ويُؤثر ذلك عن ابن عباس، وقال جابر بن عبد الله: هي تطوّع، وإليه مال مالك وأبو حنيفة».
- قال ابن العربي: «وليس في هذه الآية حجة للوجوب، لأن الله سبحانه إنما قرنها بالحج في وجوب الإتمام لا في الابتداء، فإنه ابتدأ إيجاب الصلاة والزكاة، فقال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾».
وابتدأ بإيجاب الحج فقال تعالى: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ (آل عمران)، ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها، فلو حجّ عشر حجج أو اعتمر عشر عُمَر لزمه الإتمام في جميعها، وإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء».
﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ 196#
- قال ابن العربي: «هذه الآية نزلت في كعب بن عُجرة، قال: مرّ بي النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية وأنا أوقد تحت قدر لي، والقمل يتناثر عن رأسي، فقال: «أيؤذيك هوامّك؟» قلت: نعم. فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يحلق، ولم يأمر غيره، ويصوم ثلاثة أيام، أو يُطعم ستة مساكين، أو ينسك نسيكة» .
- فكل من كان مريضاً واحتاج إلى فعل محظور من محظورات الإحرام فعله وافتدى .
﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ 219#
- قال ابن العربي: «هل حُرّمت الخمر بهذه الآية أم لا؟ قال الحسن: حُرّمت الخمر بهذه الآية، وقالت الجماعة: حُرّمت بآية المائدة ، والصحيح أن آية المائدة حرّمتها».
- قال ابن العربي: «قوله تعالى: ﴿ومنافع للناس﴾: في ذلك ثلاثة مذاهب: الأول: أنها ربح التجارة
والثاني: السرور واللذة (Blijdschap, dronkenschap & genot). والثالث: قال قوم من المتبدّعة: ما فيها من منفعة البدن (...). والصحيح أن المنفعة هي الربح، لأنهم كانوا يجلبونها من الشام بثمن رخيص فيبيعونها في الحجاز بربح كثير».
- قال ابن العربي: «قوله تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، وفي تأويل ذلك قولان:
- أحدهما: أن الإثم بعد التحريم أكبر من المنفعة قبل التحريم، قاله ابن عباس.
- الثاني: أن الإثم فيما يكون عنها من فساد العمل عند ذهاب العقل أكثر من منفعة اللذة والربح».
﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ البقرة: 221#
- استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب كما جاء في سورة المائدة: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ المائدة: 5.
- قال ابن العربي: «قال محمد بن علي بن حسين: النكاح بولي في كتاب الله تعالى، ثم قرأ: ﴿ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ بضم التاء، وهي مسألة بديعة ودلالة صحيحة».
﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ البقرة: 222#
- قال ابن العربي: «قوله تعالى: ﴿قل هو أذى﴾ فيه أربعة أقوال:
- الأول: قذر (viezigheid)، قاله قتادة والسدّي.
- الثاني: دم (bloed)، قاله مجاهد.
- الثالث: نجس (onreinheid).
- الرابع: مكروه يُتأذّى بريحه وضرره أو نجاسته (verachtelijkheid / afkeuringswaardigheid).
- والصحيح هذا الرابع».
- قال ابن العربي: «جملة ما يمنع منه الحيض خمسة:
- الأول: أنه يمنع من كل فعل تُشترط لجوازه الطهارة».
- الثاني: دخول المسجد .
- الثالث: الصوم.
- الرابع: الوطء.
- الخامس: إيقاع الطلاق .
قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾#
- اختلف العلماء في معنى الاعتزال.
﴿حتى يطهرن فإذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾#
- «حتى يطهُرن» أي حتى ينقطع دمهن، لكنه لما قال بعد ذلك: «فإذا تطهّرن» معناه: فإذا اغتسلن بالماء، تعلّق الحكم على شرطين:
- أحدهما: انقطاع الدم.
- الثاني: الاغتسال بالماء.
- فوقف الحكم - وهو جواز الوطء - على الشرطين.
- فإن قيل: هذا حجة عليكم، فإنه مدّ التحريم إلى غاية (gestelde limiet)، وهي انقطاع الدم، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، فوجب أن يحصل الجواز بعد انقطاع الدم بسبب حكم الغاية.
- قلنا: إنما يكون حكم الغاية مخالفاً لما قبلها إذا كانت مطلقة ، فأما إذا انضمّ إليها شرط آخر فإنما يرتبط الحكم بما وقع القول عليه من الشرط.
- فإن قيل: ليس هذا تجديد شرط زائد، وإنما هو إعادة الكلام ، فالجواب عنه من تسعة أوجه:
- قال ابن العربي: «(الوجه) الثاني: أن تطهّر لا يُستعمل إلا فيما يكتسبه الإنسان (vereist een bedrijvigheid / handeling)، وهو الاغتسال بالماء، فأما انقطاع الدم فليس بمكتسب».
- قال ابن العربي: «جواب ثالث: قال تعالى في آخر الآية: ﴿ويحب المتطهّرين﴾ (إن الله يحب التوابين و)، فمدحهن وأثنى عليهن، فلو كان المراد به انقطاع الدم ما كان فيه مدح، لأنه من غير عملهن».
- قال ابن العربي: «قد حملتم أنتم اللفظ على التكرار (herhaling)، فتركتم فائدة عَوده (geen relatie met)، وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجدّدة (nieuwe informatie) لم يُحمل على التكرار في كلام الناس، فكيف في كلام العليم الحكيم؟»
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ البقرة: 225#
- قال ابن العربي: «اللغو في كلام العرب مخصوص بكل كلام لا يفيد (woorden die geen voordeel opleveren, nutteloos gepraat)». قال: «وفيه سبعة أقوال».
﴿والمطلّقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ البقرة: 228#
- قال ابن العربي: «كلمة القرء كلمة محتملة للطهر والحيض احتمالاً واحداً (wordt zowel gebruikt voor reinheid als menstruatie)، وبه تشاغل قديماً وحديثاً من فقهاء ولغويين في تقديم أحدهما على الآخر (...)، وقد اختلفنا فيها، ولنا أدلة ولهم أدلة».
- وذهب ابن العربي إلى القول بأنها الأطهار، تبعاً للإمام مالك.
﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ البقرة: 229#
- قال ابن العربي: «إن الطلاق كان في الجاهلية بلا حدّ، مهملاً كسائر أفعالها (niet gelimiteerd)، فشرع الله تعالى أمده (limiet)، وبيّن حدّه (grens)، وأوضح في كتابه حكمه، وعلى لسان رسوله تمامه وشرحه...».
﴿إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾#
- قال ابن العربي: «قوله تعالى: ﴿إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾، وفي ذلك تأويلات كلها أباطيل، وإنما المراد به أن يظن كل واحد منهما ألا يقيم حق النكاح لصاحبه» (niet in staat om de rechten).
- قالوا: كانت تبغضه لدمامته (ze vond hem niet aantrekkelijk)، وتخشى أن يؤدّي بها هذا النفور الطبيعي منه إلى كفران العشير (niet nakomen van zijn rechten) - فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «أتردّين عليه حديقته؟» قالت: نعم. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة».
﴿فإن طلّقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ البقرة: 230#
- قال ابن العربي: «قال سعيد بن المسيّب: تحلّ المطلّقة ثلاثاً للأول بمجرد العقد من الثاني وإن لم يطأها الثاني، لظاهر قوله تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾» (Het sluiten v. de huwelijksakte is voldoende, afgaande op de letterlijke interpretatie v. deze tekst).
- قال: «وهذا لا يصح (...)، لفظ النكاح قد ورد بهما في كتاب الله تعالى جميعاً - - فما باله خصّصه هاهنا بالعقد» (Waarom dan hebben jullie het betrokken op de akte en niet op gemeenschap).
- قال ابن العربي: «قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ دليل على أن المرأة تزوّج نفسها، لأنه أضاف العقد إليها (...)، ولو كان سعيد بن المسيّب يرى هذا مع قوله: إن النكاح العقد لجاز له - - (...). قلنا: إذا احتمل اللفظ في القرآن معنيين، فأثبتت السنة أن المراد أحدهما».
فتبسّم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك»
- قال ابن العربي: «... فأثبتت السنة أن المراد أحدهما، فلا يُقال: إن القرآن اقتضى أحدهما وزادت السنة الثاني (kan niet worden gezegd: de Koran heeft één betekenis duidelijk gemaakt en de Sunnah heeft de andere betekenis toegevoegd)، إنما يُقال: إن السنة أثبتت المراد منها (duidelijk gemaakt welke betekenis wordt bedoeld)».
﴿وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ البقرة: 232#
- قال ابن العربي: «قوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن﴾ (hun tijdstip hebben bereikt): والبلوغ هاهنا حقيقة لا مجاز فيه» (letterlijk en niet figuurlijk).
لأنه كان معناه: قاربن البلوغ (hun tijdstip naderen) (...)، لما خرجت به الزوجة عن حكم الزوج في الرجعة (recht op terugname)، فلما قال تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ (verhinder hen niet) تبيّن أن البلوغ قد وقع في انقضاء العدة، وأن الزوج قد سقط حقه من الرجعة.
- قال ابن العربي: «فنهى الله تعالى أولياء المرأة من منعها عن نكاح من ترضاه - - وهذا دليل قاطع على أن المرأة لا حق لها في مباشرة النكاح، وإنما هو حق الولي، خلافاً لأبي حنيفة، ولولا ذلك لما نهاه الله عن منعها» (duidelijk bewijs, anders was het niet nodig).
- وقد صح - - أن معقل بن يسار كانت له أخت فطلّقها زوجها، فلما انقضت عدّتها خطبها - - فأبى معقل، ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولو لم يكن له حق لقال الله تعالى لنبيّه عليه الصلاة والسلام: لا كلام لمعقل في ذلك (hij heeft daar niets over te zeggen).
﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ 233#
﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ البقرة: 233#
- قال ابن العربي: «قوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ يعني على قدر حال الأب من السعة والضيق (...)» (op een redelijke wijze, naar gelang iemands vermogen; iemand die het breed heeft geeft dus meer uit).
﴿والذين يُتوفّون منكم ويذرون أزواجاً يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ البقرة: 234#
- قال ابن العربي: «التربّص هو الانتظار، ومتعلّقه ثلاثة أشياء: 1) النكاح، 2) الطيب والتنظّف 3) التصرّف والخروج» (wachten met drie zaken: 1) trouwen, 2) parfumeren & opmaken / mooi maken & 3) het verlaten v. het echtelijke huis).
- قال ابن العربي: «أما الطيب والزينة فقد روي عن الحسن (البصري) أنه جوّز لها ذلك، احتجاجاً بما روي: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأسماء بنت عُميس حين مات جعفر: «أمسكي ثلاثاً، ثم افعلي ما بدا لك»» أخرجه الإمام أحمد، وصحّحه الشيخ الألباني. (Imam al-Hassan stond het wel toe voor haar om...)
- روى هذا عن حماد بن سلمة، إمام الحديث، عن حُميد (الحميري) عنه: «... المتوفّى عنها زوجها تكتحل وتمتشط وتتطيّب وتختضب (...) وتصنع ما شاءت» (kohl aanbrengen, haren kammen, met henna versieren en alles doen wat ze wil).
- قال ابن حزم: واحتجّ أهل هذه المقالة بحديث أسماء بنت عميس الذي ذكرناه سابقاً (zij baseerden zich daarbij).
- قالوا: هذا ناسخ لأحاديث الإحداد لأنه بعدها، فإن أم سلمة - - رضي الله عنها روت حديث الإحداد - - وأنه صلى الله عليه وسلم أمرها به إثر - أي بعد - موت أبي سلمة، ولا خلاف أن موت أبي سلمة كان قبل موت جعفر رضي الله عنهما.
- ولكن يغنينا عن كل هذا حديث أم عطية الذي هو في الصحيحين، واعتبره فصلاً في المسألة حيث قالت: «لا تُحدّ امرأة على ميت فوق ثلاثة - - إلا على زوج (المتوفّى): أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْب» (kleding of stof die geverfd wordt voordat het wordt geweven, en kennelijk werd deze gebruikt door de vrouw om zich in te pakken tegen menstruatiebloeding).
- قالت أم عطية في تتمة الحديث حكاية عن النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا تكتحل ولا تمسّ طيباً...» (geen parfum aanraken).
- قال ابن العربي: «وأما الخروج ففيه ثلاثة أوجه:
- الأول: خروج انتقال - - ولا سبيل إليه عند عامة العلماء» (echtelijk huis verlaten voor een ander huis).
- لأن الله تعالى يقول في سورة الطلاق: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن...﴾ الطلاق: 1 ((En) zet hen niet uit hun huizen, noch moeten zij (d.w.z. de vrouwen uit zichzelf) vertrekken).
- الثاني: خروج العبادة، كالحج والعمرة (...)، فرأى عمر في الخلفاء، ورأى مالك في العلماء، أن عموم فرض التربّص في زمن العدة مقدَّم على عموم زمان فرض الحج، لا سيما إن قلنا إنه على التراخي (verplichting v. het wachten gaat voor op de verplichting v. hadj, vooral als we uitgaan van de mening die zegt dat hadj mag worden uitgesteld, met andere woorden de tijd v. iddah is gelimiteerd / beperkt, terwijl hadj ongelimiteerd is).
- وإن قلنا: على الفور، فحقّ التربّص آكد من حق الحج، لأن حق العدة لله تعالى ثم للآدمي في صيانة مائه وتحرير نسبه، وحق الحج خاص لله سبحانه (alsnog gaat de verplichting v. iddah voor, omdat het naast het recht v. Allah ook betrekking heeft op het recht v/d echtgenoot (ter bewaking v. zijn nageslacht)).
﴿ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾ 235#
- قال ابن العربي: «حرّم الله النكاح في العدة، وأوجب التربّص على الزوجة، وقد علم سبحانه أن الخلق لا يستطيعون الصبر عن ذكر النكاح والتكلّم فيه، فأذن في التصريح بذلك مع جميع الخلق، وأذن في ذكر ذلك بالتعريض مع العاقد له، وهو المرأة أو الولي، وهو في المرأة آكد».
- قال ابن العربي: «والتعريض: هو القول المفهِم لمقصود الشيء وليس بنصٍّ فيه، والتصريح هو التنصيص عليه والإفصاح بذكره» (hint ermee op iets, maar spreekt niet duidelijk uit).
- قال ابن العربي: «والذي مال إليه مالك أن يقول: إني بك لمعجب، ولك محب، وفيك راغب، وهذا عندي أقوى التعريض» (ik bewonder je, hou van je, ik heb interesse (sterkste hint)).
- قال ابن العربي: «والذي أراه أن يقول لها: إن الله تعالى سائق إليك خيراً، وأبشري وأنتِ نافقة» أي كثيرة الخطّاب (Allah zal het goede naar jou brengen, wees verheugd want veel wensen je hand te vragen).
﴿لا جناح عليكم إن طلّقتم النساء ما لم تمسّوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ 236#
- جعل الله للمطلّقة قبل المسيس أو المسّ وقبل فرض مهر المتعة (geen gemeenschap en geen vaststelling van schenk hun gift).
- قال ابن العربي: «ولهذا اختلف العلماء في وجوب المتعة، فمنهم من رآها واجبة لظاهر الأمر بها (...)، وقال علماؤنا: ليست بواجبة لوجهين: أحدهما: أن الله تعالى لم يقدّرها، وإنما وكلها إلى اجتهاد المقدِّر، وهذا ضعيف، فإن الله تعالى قد وكّل التقدير في النفقة إلى الاجتهاد، وهي واجبة (...). الثاني: أن الله تعالى قال فيها: ﴿حقاً على المحسنين﴾ (...)، ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين» (1) Allah heeft niet precies aangegeven hoeveel; 2) spreekt daarmee de weldoeners en niet iedereen).
﴿وإن طلّقتموهن من قبل أن تمسّوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ 237#
- قال ابن العربي: «هذا القسم هو أحد الأقسام المتقدمة - وهما قسمان - وهو مطلّقة قبل المسيس وبعد الفرض، فلها نصف المفروض واجباً، كما أن للمفوَّضة المتعة مستحبة» (een v/d twee genoemde categorieën, recht op de helft verplicht, de andere recht op een gift aanbevolen).
- قال ابن العربي: «إن المطلّقة قبل المسيس لها نصف المهر، وإن خلا بها، ولا تقرّر الخلوة بالمهر، إلا أن يقترن بها مسيس في مشهور المذهب، وبه قال الشافعي» (zelfs als hij zich met haar afzondert).
- قال ابن العربي: «وقال أبو حنيفة: يتقرّر المهر بالخلوة، وظاهر القرآن يدل على ما قلناه» (dan recht op de volledige bruidsschat, maar de Koran spreekt over gemeenschap en niet afzondering).
﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾#
- قال ابن العربي: «وهي معضلة (problematisch, lastig)، اختلف العلماء فيها، فقيل: هو الزوج - أي يبذل جميع الصداق - (...)، ومنهم من قال: إنه الولي - أي يُسقط ما وجب للمرأة من نصف المهر - (...)».
- قال ابن العربي: «والذي تحقّق عندي بعد البحث والسبر - التتبّع - أن الأظهر هو الولي (...)» (gebleken na studie en onderzoek).
﴿إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ البقرة: 271#
- قال ابن العربي: «والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها، والمعطى إياها، والناس الشاهدين لها» (afhankelijk van 3 zaken: 1) toestand v/degene die het geeft, 2) toestand van degene die het krijgt en 3) toestand van de mensen die het zien).
- أما المعطي فله فائدة إظهار السنة وثواب القدوة، وآفتها الرياء والمنّ والأذى (voordeel van het zichtbaar maken v. een aanbevolen zaak, maar het nadeel van pronkerij en opschepperij).
- وأما المعطى إياها فإن السرّ أسلم له من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفّف (verborgen veiliger voor hem, zodat er niet op hem wordt neergekeken of beschuldigd wordt v. het ontvangen van iets wat hij nodig heeft).
- وأما حال الناس فالسرّ عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء، وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل.
﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ﴾ البقرة: 275#
- قال ابن العربي: «وكان الربا عندهم معروفاً، يبايع الرجلُ الرجلَ إلى أجل، فإذا حلّ الأجل قال: أتقضي أم تُربي؟ يعني: أم تزيدني على مالك عليك وأصبر أجلاً آخر، فحرّم الله تعالى الربا، وهو الزيادة».
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه﴾ البقرة: 282#
- قال ابن العربي: «لا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد لنا إلى ما لنا فيه الحفظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئاً منه غير واجب».